منزلة النفوس العمالة المباشرة للتحريك المعبر عنهم بقوله تعالى :
كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ
« 1 » .
وقول عليه السلام : واستعبد أهل الأرض بالطواف حول بيته ، اي كما استعبد أهل السماوات بالطوفان والدوران حول عرشه الذي هو قلب العالم وروحه الأعظم ، موضع معرفة اللّه وبيته المعمور ، كذلك استعبد أهل الأرض بالطواف حول بيته الأرضي الفرشي - مثال بيته السماوي العرشي - ليكون طوافهم وسعيهم حكاية ومثالا لطواف أهل ملكوت السماوات وسعيهم حول العرش ، فإنه سبحانه خلق العوالم متوافقة متحاذية ، السافل منها قشر وحكاية للعالي والعالي لب وروح للسافل ، فالكعبة تحاذي بيت المعمور المشهور في الشريعة : انه في السماء الرابعة ، المقسم به في التنزيل حيث قال :
وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ
« 2 » ، لان الفلك الرابع هو فلك الشمس منبع حياة العالم بنورها ، وهو من العالم بمنزلة القلب الصنوبري منا ينبوع الروح الحيواني الذي به حياة البدن وحسّه وحركته ، وهو في ارض البدن كالكعبة ، والصدر بمنزلة مكة .
واما القلب الحقيقي السماوي فهو بمنزلة النفس الناطقة منا ، وكأنه المراد من البيت المعمور الواقع في القرآن وهو يحاذي العرش الأعظم أعني العقل الكلي والروح الإلهي مستوى الرحمن وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : واللّه على العرش استوى ، اي استولى ، وقوله : كما قال إشارة إلى قوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 3 » .
وقوله عليه السلام : والعرش ، مبتداء وكذا ما عطف عليه من قوله : ومن يحمله ومن حول العرش ، والخبر محذوف تقديره : محمول كلهم ، وانما حذف الخبر لدلالة ما بعده
هامش
( 1 ) - الانفطار 12 و 11 يعنى بالعلم الانفعالي فإنه من مراتب علمه تعالى وهو القدر الذي يمحو اللّه به ما يشاء ويثبت ، فاعتبر ( نوري ) .
( 2 ) - الطور 4 - 6 .
( 3 ) - اعلم أن للعرش الطلاقات : منها القلب الذي هو من لطائف السبع للنفس : من الطبع والنفس والقلب والروح والسر والخفي والاخفى ، ومنها الفيض الاقدس ، ومنها الفيض المقدس ، ومنها العقل الكلي ، ومنها الفلك المحدد . وبحذائها الكرسي من الاطلاقات في كل واحد واحد منها . فالكرسي على الاطلاق الأول هو النفس وعلى الثاني الفيض المقدس وعلى الثالث هو مراتب الوجود الواقعة في القوس النزولي ، وعلى الرابع النفس الكلي وعلى الخامس الفلك الثامن .