جوهره العقلي الحافظ لصور الأشياء المعقولة علم ، ومن حيث كونه واسطة لافاضته لصور المعلومات من اللّه على النفوس القابلة قلم الذي قال له اكتب ، ومن حيث جوهره النفساني المحرك للافلاك والسماوات حركة شوقية قدرة ، ومن حيث انتقاشه بالعلوم المفصلة لوح ، ومن حيث استقرار العلم والقدرة والحياة عليه عرش حامل ، ومن حيث إن العلماء باللّه وبما في قضائه يحملونه ويعلمون ما فيه محمول لهم وهم المراد بقوله تعالى :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ
.
قوله عليه السلام : ثم أضاف الحمل إلى غيره ، يعني أضاف حمل عرشه الذي هو علمه إلى غيره ، وذلك الغير خلق من جملة ما خلق اللّه استعبد بحمل عرشه ، وهم حملة علمه وخزنة معرفته ، كما استعبد خلقا آخرين مرتبتهم دون مرتبة هؤلاء ، لأنهم نفوس عمالة وهذه عقول علامة ، لان يسبحوا اللّه وهم حول عرشه وعلى طرف من علمه لقوله تعالى :
وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
، فيطوفون من جهة العلاقة الشوقية التي لهم إلى عرش اللّه حول جنابه ، ويعملون بما أدركوا من علمه تعالى بالتعبد الدائم والصلاة القائمة وتطواف الأطراف .
فلله در طائفة بالكعبة طائفة ، وحول حريمه عاكفة .
وقوله عليه السلام : وملائكة يكتبون اعمال عباده ، عطف على قوله : خلقا يسبحون حول عرشه ، اي يستعبد ملائكة أخرى لكتابة الاعمال .
فاعلم كما ظهر من كلامه عليه السلام انه كما أن للانسان وهو العالم الصغير قوى ثلاث : أعلاها العقل النظري وكماله بالعلم باللّه وآياته ، وأوسطها العقل العملي والنفس الناطقة وكمالها بالعبادة والطهارة والتجريد والتقرب إلى اللّه بالذكر والفكر والشوق والوجد والصلاة والطواف وغيرها من الاعمال النفسية والبدنية ، وأدناها القوة الحيوانية المباشرة للأعمال التي تؤثر في اكتساب الاخلاق والملكات للنفوس فيبقى اثرها في النفس كالكتابة في اللوح .
فكذا في العالم الكبير أصناف ثلاثة من الملائكة : أعلاهم مرتبة العقول المجردة وهم الملائكة المقربون ويعبر عنهم في الكتاب الإلهي تارة بقوله تعالى :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ
وتارة بقوله :
وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ
« 1 » وأوسطهم النفوس المدبرة الفلكية المعبر عنهم بقوله :
وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
وإليهم الإشارة بقوله : وخلقا يسبحون حول عرشه ، وأدناهم
هامش
( 1 ) - الأنبياء 19 .