إحاطة علمه تعالى التفصيلي بالأشياء بقرينة قوله :
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى
« 1 » ، يعني يعلم سر كل ما يجهر اسمه بالقول بعلمه التفصيلي القدري ، ويعلم باطن سرّه الّذي هو اخفى من سرّه بعلمه الاجمالي القضائي .
وقوله عليه السلام : وذلك قوله :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما
« 2 » ، استدلال على انّ المراد بالكرسي الموصوف بالسعة لما في جوفه من الأفلاك والعناصر ، هو باطنه وروحه الّذي هو محلّ قدره ولوح قضائه وبه يعلم الكل علما تفصيليا ، ويؤكد هذا بقوله تعالى :
وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما
، اي لا يثقله ولا يتعبه ، يقال : اوده كذا يؤده اودا إذا اثقله وأجهده ، والتثقل والتجهد وأمثالهما من لوازم القوى الجسمانية ، فلو كان الكرسي الّذي به حفظ السماوات والأرض وامساكهما ان تزولا صورته الجسمانية وقوته الطبيعية يؤدها ويتعبها « 3 » الحفظ والامساك على الدّوام فلم يبق حفظهما ، لان القوى الجسمانية داثرة هالكة كائنة فاسدة لحظة فلحظة .
المطلب التاسع : في علوه وعظمته
قوله :
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
.
قال بعض العلماء : انّ أعظم المخلوقات مهابة وجلالة : المكان والزّمان ، امّا المكان فهو الفضاء الّذي لا غاية له وأصله من العماء الّذي ما فوقه هواء وما تحته هواء ، فاما الزمان فهو الامتداد الخارج من قعر ظلمات عالم الأزل في ظلمات عالم الأبد ، فكأنه نهر خرج من قعر جبل الأزل ودخل في قعر الأبد فلا يعرف لانفجاره مبدأ ولا لاستقراره منزل ، فالأول والاخر صفة الزّمان والظاهر والباطن صفة المكان ، فالحق سبحانه وسع المكان ظاهرا وباطنا ووسع الزمان أوّلا وآخرا ، وإذا كان المدبّر للزمان « 4 » والمكان هو اللّه سبحانه كان منزها عن المكان والزّمان .
إذا عرفت هذا فنقول : الحق سبحانه له عرش وله كرسي ، فعقد الزمان بالعرش فقال له :
وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
« 5 » ، لان جرى الزمان يشبه جري الماء ، وعقد المكان
هامش
( 1 ) - طه 7 .
( 2 ) - البقرة 255 .
( 3 ) - يتبعها . النسخة البدل .
( 4 ) - مدبر الزمان - م - د .
( 5 ) - هود 7 .