وقوله : حامل الأشياء بقدرته ، لما كان المطلوب في هذا الحديث اثبات فردانيته تعالى وتفسير أحديته وبراءته عن الخلق وعدم مخالطته للأشياء بوجه من الوجوه وقد بين ذلك بابين وجه وأكده ، لكن كثيرا ما وقعت في الكتاب والسّنة نسبة حمل الأشياء إليه تعالى ، فربما يذهب الوهم إلى مباشرة الجسم ، فازيح هذا الوهم بانّ حمله تعالى للأشياء ليس بمزاولة جثة بل بتأثير قدرة وقوة ، وليس من شرط حامل جسم ومحركه ان يكون مباشرا له ولا ان يكون على نسبة وضعية ، فان نفسك التي تحمل بدنك وتحركه من موضع إلى موضع انما هي مجردة وليست بذات وضع .
قوله : ديمومي ازلّي ، دليل اخر على تفرده وبراءته عن الخلائق ونفي مناسبته لها ، فإنها كلها حادثة زائلة وهو أزلي ابدي ، قوله : لا ينسى ولا يلهو ولا يغلط ولا يلعب ، لما ذكر صفات التنزيه ونعوت التقديس وأثبت براءته تعالى عن الخلق غاية البراءة ، فأراد ان يشير إلى انّ ذلك لا يقتضي غفلته عن الخلق ونسيانه لامرهم كما يذهب إليه أوهام ضعفاء الأحلام ، بل ذاته تعالى مع كونه في أعلى درجات التفرّد والتجرّد عن الخلق ، فلا يغيب عنه ذرّة من بر ولا قطرة من بحر ولا يعزب عن علمه
مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
، وشيء من هذه النقائص كالنّسيان والسهو والغلط واللعب انما يطرأ لمن كان ناقص الادراك ضعيف القوة والقدرة وقليل الإحاطة بالأمور وعواقبها .
وقوله : ولا لإرادته فصل ، اي لا قاطع لإرادته ولا راد لقضائه ولا فاصل لحكمه .
وفصله جزاء ، اي انما الذي يفصل وينقطع عنده وينتهي هو ما هو جزاؤه وغايته ، وتذكير الضمير باعتبار المصدرية ، وفي بعض النسخ : وفضله بالضاد المعجمة ، اي فضله وقع جزاء لاعمال العباد ، ولولا فضله وكرمه لا يستحق العبد بعمله شيئا من الجزاء الخير .
قوله : وامره واقع ، أراد به الامر التكويني الذي بلا واسطة من خلقه كما في قوله :
«
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
» « 1 » .
قوله :
لَمْ يَلِدْ
. . إلى آخره ، اعلم أنه لما ثبت وتحقّق انه تعالى مبدأ جميع الموجودات الممكنة وان الكلّ محتاجة إليه وانه المعطي لوجود جميعها ، فيمتنع ان يتولد عنه مثله ، دفعا لما سبق إلى بعض الأوهام من انّ هويته المقتضية لان يفيض على الكلّ ، لعله يفيض عن وجوده وجود مثله حتى يكون والدا له ، لكن البراهين قاطعة دافعة لهذا الوهم ، فان ما لا
هامش
( 1 ) - يس 82 .