الأمم إلى خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وشرط الامر والنهى العلم باحكام اللّه بمعرفة ما في كتاب اللّه وسنة نبيه صلّى اللّه عليه وآله ، فاذن لا حاجة بعده إلى بعثة نبي اخر أو شريعة أخرى ، ولهذا لم يبعث ولا يبعث بعد ختم الأنبياء عليه السلام نبي ولا بعد شريعته شريعة لما ذكر من السبب .
إذا علمت ذلك فنقول : مراده عليه السلام من الحجة في قوله : حجة اللّه على العباد ، هي الحجة الظاهرة الواردة من قبل اللّه لأجل قصور العقول عن درجة الاكتفاء بما اعطاؤهم اللّه من العقل ، فما هي إلا نبي مبعوث من قبل اللّه ظاهرا مقرونا بالمعجزات والآيات الواضحة الجلية .
وفي قوله عليه السلام : والحجة فيما بين العباد وبين اللّه العقل ، هي الحجة الباطنة ، لان النفوس لما بعثت عليهم الأنبياء وجاءت لهم الشرائع وأنزلت إليهم الكتب غاية ما يمكن ان يكون عليه شيء من الحجج الخارجية من النبي والكتاب والشريعة فلم يبق حجة بعد ذلك فيما بين الخلق والحق الا الحجة الباطنة وما هي الا العقل الصافي النير البصير . والحاصل ان الحجة حجتان : خارجية وداخلية .
والناس اما أهل بصيرة عقلية أم أهل حجاب ، فالحجة على غير أهل البصيرة هي الخارجية ، لان الأعمى يحتاج في قطع السبيل إلى قائد خارجي يتبعه تقليدا في كل قدم ، والحجة على أهل البصيرة المستفادة من اتباع الحجة الخارجية هي نور البصيرة الداخلية ، فهم لنور بصيرتهم يسلكون سبيل اللّه بعقولهم المقتبسة من مشكاة النبوة المستنيرة بأنوار الكتاب والسنة ، فلا حاجة لهم في سلوك السبيل في كل قدم إلى هاد خارج وحجة خارجة ، بل حجة اللّه عليهم بصيرتهم ونور عقلهم وهداهم .
الحديث الثالث والعشرون
« عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد مرسلا قال أبو عبد اللّه عليه السلام : دعامة الانسان العقل ، والعقل منه الفطنة والفهم والحفظ والعلم ، وبالعقل يكمل وهو دليله ومبصره ومفتاح امره ، فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالما حافظا ذاكرا فطنا فهما ،