تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 494

مساهمون:

ص٤٩٤
بالملائكة والاقتداء بهم في الكف عن الشهوات والاستغناء عنها بحسب الطاقة والامكان ، فإنهم متنزهون عن الشهوات بحسب الفطرة الأولى . وللانسان رتبة فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها ، فكل من انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل السافلين والتحق بالبهائم ، وكل من قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة لاقتدائه بهم وتشبهه باخلاقهم ، وهم المقربون من اللّه تعالى والشبيه إلى المقرب مقرب ، لان ذلك القرب ليس بالمكان بل بالصفات ، وإذا كان هذا سر الصوم عند أولى الألباب وأصحاب العقول والقلوب فأي جدوى « 1 » لتأخير اكلة وجمع اكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات . ولو كان لمثله جدوى فما معنى ما روى عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : كم من صائم ليس له من صومه الا الجوع والعطش ؟ ولهذا قال بعض العرفاء : يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يغبنون صوم الحمقى وسهرهم ؟ ولذرة عبادة من ذي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغترين ، ولذلك قال بعض العلماء : كم من صائم مفطروكم من مفطر صائم ! والمفطر الصائم هو الّذي يحفظ جوارحه عن الآثام ويأكل ويشرب ، والصائم المفطر هو الّذي يجوع ويعطش ويرسل جوارحه . واما صوم خصوص الخصوص : فصوم القلب عن الهمم الدنية والاغراض الدنيوية وكفه عن ما سوى اللّه تعالى بالكلية لدوام استغرافة بالحق عن الالتفات بغيره ، فالفطر في هذا الصوم الّذي ضده هو الفكر فيما سوى اللّه واليوم الآخر ، وصرف الهمة في غير ما يراد به طاعة اللّه وطاعة رسوله من اغراض النفس ومقاصد الطبع وبالجملة الاشتغال بأمر من أمور الدنيا الا دنيا تراد للدين ، فان ذلك من زاد الآخرة وليس من الدنيا حتى قال أرباب القلوب : من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه في ليلة كتب عليه خطيئة ، فان ذلك من قلة الوثوق بفضل اللّه وضعف اليقين برزقه الموعود ، وهذه
هامش
( 1 ) اى : النفع .
شرح أصول الكافي — صفحة 494 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )