الثانية : العقل بالملكة
، وهو الّذي خرج عن الاستعداد المحض إلى شيء من الفعلية ، وهي الأوليات من المفاهيم والقضايا التي هي آلة الاكتساب النظريات ، فيكون للنفس في هذه المرتبة قدرة الاكتساب وملكة الانتقال إلى نشأة العقل الحقيقي الفعلي ، وانما لم تسم هذه المرتبة عقلا بالفعل لان الوجود العقلي لا يحصل بادراك الأوليات والمفهومات المبهمة ، إذ الشيء لا يتحصل بأمر مبهم عام ما لم يتعين امرا متحصلا .
هذا هو الحق عندنا في تفسير العقل بالملكة ووجه افتراقه عن العقل بالفعل على ما هو مبين في البحوث الفلسفية . والنفس في هذه المرتبة ان تميزت عن سائر النفوس بتوفر الأوليات فيها وشدة استعدادها وسرعة قبولها للأنوار العقلية والأشعة الصمدية سميت القوة القدسية ، وكانت من مصاديق قوله تعالى :
« يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ »
« 1 » وان لم تكن كذلك كانت من النفوس العادية على اختلاف فيها قوة وضعفا .
الثالثة : العقل بالفعل
: وهو مرتبة حصول النظريات والمعقولات الحقيقية للنفس من دون أن تكون تلك الأمور حاضرة ومشهودة بالفعل ، ولكنها متى شاءت النفس استحضرتها بمجرد الالتفات والتوجه إليها ، وكل صورة من تلك المعقولات كمال وفعلية للنفس ، كما أن كل توجه والتفات إليها كمال على كمال و
نُورٌ عَلى نُورٍ
وبرزة للنفس من حجب تراكمت وتركبت واثقلتها وعرقلت نزوعها شطر العالم النوراني .
وكل برزة اقتراب لها من مبدأ الفعلية والوجود . فكلما حصل النورية والادراك أو تحقق البرزة والاشتداد التحقت بها مرتبة من الكمال ودرجة من قوس الاقتراب من المبدأ المتعال ومنبع العزة والمجد والجلال ، فحقائق النفوس حقائق تقربية وذواتها ذوات نزوعية تدرجية .
ولا بد من أن نذكر بان هذا المذكور أصل يستخرج منه عدد من القضايا العجيبة في باب علم النفس وباب كيفية تحقق النشئات اللاحقة والرجوعات النفسانية .
هامش
( 1 ) النور 35 .