الشرح
اعلموا أيها الاخوان السالكين إلى اللّه بقدم العرفان : ان هذا العقل اوّل المخلوقات وأقرب المجعولات إلى الحق الأول وأعظمها وأتمها وثاني الموجودات في الموجودية ، وان كان الأول تعالى لا ثاني له في حقيقته ، لان وحدته ليست عددية من جنس الوحدات ، وهو المراد فيما ورد في الأحاديث عنه صلّى اللّه عليه وآله من قوله في رواية : اوّل ما خلق اللّه العقل « 1 » ، وفي رواية : اوّل ما خلق اللّه نوري ، وفي رواية : اوّل ما خلق اللّه روحي ، وفي رواية : اوّل ما خلق اللّه القلم ، وفي رواية : اوّل ما خلق اللّه ملك كروبى ، وهذه كلها أوصاف ونعوت لشيء واحد باعتبارات مختلفة فبحسب كل صفة يسمى باسم اخر ، فقد كثرت الأسماء والمسمى واحد ذاتا ووجودا ، اما الماهية والذات « 2 » فهي جوهر لا تعلق له بالأجسام بوجه لا وجودا كالاعراض ولا فعلا وتصرفا كالنفوس ولا بالجزئية والامتزاج كالمادة والصورة .
وبالجملة : فالمجعولات الجوهرية على ثلاثة أقسام متفاوتة في درجات الوجود :
أعلاها وأولها هو الّذي لا افتقار له في شيء الا إلى اللّه ، ولا نظر له إلى ما سواه ، ولا التفات له الا إليه تعالى .
وثانيها : هو الّذي لا افتقار له في أصل الوجود إلى غيره تعالى ، وليكن يفتقر في استكمال وجوده إلى ما سواه ، ويكون كمال وجوده بعد أصل وجوده وبوجه قبله .
وثالثها : هو الّذي يفتقر إلى غيره تعالى أيضا في كلا الامرين ، اعني في أصل الوجود وكماله جميعا ، فالأول هو العقل والثاني النفس والثالث الجسم أو جزؤه .
واما الوجود « 3 » والحقيقة فالبرهان عليه وجود الحق تعالى ، لأنه لما كان بسيط الحقيقة عالما قادرا جوادا رحيما ذا فضيلة عظيمة وقوة شديدة وقدرة غير متناهية وفيه
هامش
( 1 ) قال صاحب البحار في كتاب السماء والعالم : اوّل ما خلق اللّه العقل لم أجده في طرقنا ، وانما هو في طرق العامة .
( 2 ) اى ماهية العقل وحقيقته .
( 3 ) عطف على قوله : واما الماهية والذات .