والتكذيب ، ثمّ تيسير أسباب الاستبصار لبعض منهم ، مثل أن يوفّقه لصحبة الأخيار وخلطة العلماء الأبرار ليستمع منهم دلائل قاطعة وبراهين ساطعة ، وهذا التيسير هو تتميم إيمان ذلك المُعار .
وأمّا سلب إيمان بعضٍ آخَرَ منهم فبأن يَكِلَه إلى نفسه ، فيخالط الأشرار ، ويعاشر الفجّار ، فيدعوه إلى ضلالتهم فيقبل منهم ، وهذا الوكول المفضي بالموكول إلى مخالطة المضلّين وإلى القبول منهم إنّما هو لأنّه كان في مرتبة المقدوريّة والإمكان ذا خصوصيّة بها كان ممكناً خاصّاً ، وبسبب تلك الخصوصيّة كان مُعرضاً عن ذكر الرحمان ، وقد قال اللَّه تعالى :
« وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ »
« 1 » .
وكلا الأمرين - أعني تيسير أسباب الاستبصار ، والوكول المستتبع لمخالطة المضلّين الأشرار المستعقب للجحود والإنكار - قد تحقّقا من اللَّه تعالى بالنسبة إلى جماعة اتّبعوا أمير المؤمنين عليه السلام بعدما بويع بالخلافة بزعم أنّ إمامته إنّما تحقّقت بالبيعة دون النصّ من اللَّه ورسوله ، فسلب اللَّه إيمان بعضهم - وهم الناكثون والمارقون الذين ارتدّوا على أعقابهم ، وحاربوه عليه السلام بعد أن بايعوه وأقرّوا بإمامته ، فصاروا بذلك الإقرار في عِداد المؤمنين الظاهريّين ، ثمّ سُلبوا الإيمانَ بمحاربته ، فدخلوا بذلك في الكفر - وتمَّم للباقين إيمانَهم وتصديقهم التقليدي ، بأن وفّقهم لأن يستمعوا منه عليه السلام خطباً جليلة مشتملة على حِكَم ومعارف تكشف غشاوة الجهل عن قلوب من سبقت لهم من اللَّه الحُسنى ، وتجلو صدأ الريب « 2 » عنها ، وهم الذين قاتلوا تحت لوائه عليه السلام على بصيرةٍ ويقين إلى أن استشهدوا ، فياليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً .
ومعنى مشيّة التتميم ومشيّة السلب هو العلم الذاتي بكون كلّ واحد منهما فيمن فُعل به هو الصواب الموافق للحكمة الكاملة ، المُنبئ عن كمال القدرة على إجابة سؤال
هامش
( 1 ) . الزخرف ( 43 ) : 36 .
( 2 ) . في حاشية النسخة : إنّ هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد ، وهو أن يركبها الرين بمباشرة المعاصي والآثام ، فيذهب بجلائه ، كما يعلو الصدأ وجه المرآة والسيف ونحوهما . النهاية [ ج 3 ، ص 15 ( صدأ ) ] .