السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ »
« 1 » .
جعل سبحانه في هذه الآية الكونَ في الجنّات وصفَ حال للسابقين دون أصحاب اليمين ، ولابدّ لذلك من نكتة ، فلتكن تلك النكتة بعينها مرعيّةً في إرجاع ضمير « يدخلون » إلى « السابق بالخيرات » في الآية التي نحن فيها دون المقتصد .
والظاهر أنّ النكتة كون السابقين هم الأصل ، والمقتصدين وأصحاب اليمين إنّما يدخلون الجنّة ببركة أتباعهم ، والمتعارف في الضيافات ذكر الأصل والمقصود بالذات ، دون الأتباع الذين هم بالعرض .
والتوجيه الذي ذكرنا موافق لما عليه أهل الذكر الراسخون في العلم ، فلا يعدل عنه إلى غيره إلّاالذين في قلوبهم زيغ .
وما قال المتسمّون بالعُلماء في مجلس المأمون من أنّ المراد جميع الامّة ممّا لا يقبله ذوق من له دراية بأساليب الكلام ؛ لأنّ المراد بالإيراث إن كان هو الاستيداع والاستحفاظ كما هو الظاهر بحسب المقام ، فظاهر أنّ جميع الامّة - الذين فيهم الباغون على أئمّة العدل حسداً وحبّاً للرياسة الباطلة باعتراف الكلّ - ليسوا أهلًا لذلك ؛ وإن كان المراد مجرّد الإبقاء فيهم ، فوصف المورثين بالاصطفاء عارٍ عن الفائدة ، بل مخلّ غير ملائم لقوله :
« فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ »
كما لا يخفى .
وقد تفطّن لذلك البيضاوي ، وخصّ المصطفين بالعلماء من الصحابة ومن بعدهم « 2 » .
وبالجملة ، فالمعنى على الاحتمال الذي ذكرنا :
« ثُمَّ أَوْرَثْنَا »
الموحى إليك - أي استودعناه واستحفظناه الذين اصطفينا من عبادنا - الجماعةَ الذين خلّصناهم من بين هذه الامّة عن كدورات الرجس : رجس الذنوب وإضاعة ما استودعوه واستُحفظوه تعمّداً أو خطأً أو سهواً ، أي فطرناهم صافين خالصين ؛ من باب ضيّق فم الركيّة .
وإنّما أورثناهم الكتاب كيما إن حرّف كلمةً منه المتصنّعون بالإسلام ، أواقتحم في متشابهه الجاهلون الذين تراءسوا قبل أن يعضّوا في العلم بضرس قاطع ، كان للمسترشدين سبيل إلى استعلام الحقّ ، وإلى دليل يهديهم في كلّ حادثة نزلت بهم إلى حكمها المنزّل في الكتاب على العلم واليقين ، دون الظنّ والتخمين :
« وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى
هامش
( 1 ) . الواقعة ( 56 ) : 10 - 12 .
( 2 ) . أنوار التنزيل ، ج 4 ، ص 419 .