يُوَحِّدُه مَن زَعَمَ أنّه عَرَفَه بغيره ، وإنّما عَرَفَ اللَّهَ مَن عَرَفَه بِاللَّهِ » . « 1 »
فتأمّل في وجه إيثار قوله عليه السلام : « من عرفه باللَّه » على قوله : « من عرفه به » .
ومن هذا الباب ما روى الصدوق في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه سُئل : بِمَ عرفت ربّك ؟ فقال : « بما عرّفني نفسه » . قيل : وكيف عرّفك نفسه ؟ فقال : « لا يُشبه « 2 » صورةً ، ولا يُحَسّ بالحواسّ ، ولا يُقاس بالناس ، قريبٌ في بُعده ، بعيدٌ في قربه ، فوق كلّ شيء ، ولا يقال : شيءٌ فوقه ، أمامَ كلّ شيء ، ولا يُقال : له أمام ، داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء ، وخارج عن الأشياء لا كشيء خارج عن شيء ، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره ، ولكلّ شيء مبتدأ » . « 3 »
ومن الثاني قوله عليه السلام : « عرفت اللَّه بفسخ العزائم » . « 4 »
وبناء الكليني - طاب ثراه - على الأوّل . وإن أريد بالجلالة الثانية الذات الأقدس ، فلابدّ لتغيير الأسلوب من نكتة ، فأقول :
إنّ معرفته تعالى على وجهين :
أحدهما : معرفة كونه وثبوته ، بمعنى أن يصدّق العبد أنّ له خالقاً عليماً قادراً ، وهي فطريّة ، بمعنى أنّه تعالى كفى العبادَ مؤونةَ تحصيلها بأن أراهم آياتِه في الآفاق وفي أنفسهم حتّى تبيّن لهم أنّه الحقّ ؛ وإليه الإشارة بقوله عزَّ من قائل :
« أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
« 5 » ، فكأنّه سبحانه يقول : أيسع أحداً أن يدّعي الشكَّ في الخالق الحكيم القادر العليم بعد ما يرى مثل هذه الآثار البديعة العجيبة الشاهدة على أنفسها بالمخلوقيّة ؟ كلّا بل لئن سألتهم مَن خَلَقَ السماواتِ والأرضَ ليقولُنَّ اللَّهُ « 6 » ، أي الذات
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 113 ، باب حدوث الأسماء ، ح 4 .
( 2 ) . في المصدر : « لاتشبهه » .
( 3 ) . التوحيد ، ص 285 ، ح 2 .
( 4 ) . نهج البلاغة ، ص 511 ، الحكمة 250 ؛ غرر الحكم ، ص 81 ، ح 1273 .
( 5 ) . إبراهيم ( 14 ) : 10 .
( 6 ) . إشارة إلى الآية 25 من سورة لقمان ( 31 ) .