فمعنى الآية أنّه إنّما يجب على اللَّه أن يتوب على الجاهلين من عباده - أي العوامّ ضعفاء البصيرة الذين يزعجهم أضعفُ محرِّك من المحرّكات الغضبيّة والشهويّة - دون العلماء بالمعنى المذكور ؛ فإنّه لقوّة زواجرهم العلميّة ومقاوماتهم العقليّة خرجوا عن أن يجب على اللَّه تعالى قبول توبتهم ، بل له أن يعذّبهم على معصيتهم عدلًا ، وله أن يتوب عليهم تطوّلًا .
ونظير هذا ما سيجيء في كتاب الصلاة عن قول أبي عبداللَّه عليه السلام : « هذه الصلوات الخمس المفروضات مَنْ أقامهنّ وحافظ على مواقيتهنّ ، لقي اللَّه يوم القيامة وله عنده عهدٌ يدخله الجنّة ، ومن لم يصلّهنّ لمواقيتهنّ ولم يحافظ عليهنّ ، فذاك إليه ؛ إن شاء غفر له ، وإن شاء عذّبه » . « 1 »
ويشهد لهذا المعنى قول الصادق عليه السلام في الحديث السابق : « يغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنبٌ واحد » . « 2 »
وعلى هذا فالغرض تشديد الأمر على العالم ، كما فهمه الكليني رحمه الله وعنوَنَ الباب بذلك ، فكأنّه تعالى يقول : إنّما يجب عليَّ التوبة لمن عمل السوء ثمّ لم يولَع فيه ، بل تاب من قريب ؛ لأنّ هذا هو الذي كتبتُ على نفسي .
قال تعالى في سورة الأنعام :
« كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
« 3 » .
وإذا بُني الأمر في الآية على هذا ، فقوله عليه السلام : « إذا بلغت النفس هاهنا لم يكن للعالم توبة » المراد بلوغ النفس إلى الحلق ، ولم يعايِن أحوالَ النشأة الآخرة بعدُ ، ولم يختلّ الحواسّ ، وهو أواخر أزمنة الوصيّة والتنجيز .
فكأنّه عليه السلام يقول : إنّ الأمر مشدّد على العالِم بحيث إذا بلغ ذلك الحينُ فليس له توبة ، بخلاف الجاهل ؛ يدلّ على ذلك أنّ هذه الرواية بعينها ستجيء في باب ما أعطى اللَّه
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 3 ، ص 267 ، باب من حافظ على صلاته أو ضيّعها ، ح 2 .
( 2 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 47 ، باب لزوم الحجّة على العالم وتشديد الأمر عليه ، ح 1 .
( 3 ) . الأنعام ( 6 ) : 54 .