قبله ؛ فعرف القلب بذلك أنّ مدبّر الأشياء ما غاب منها وما ظهر هو اللَّه ، الأوّل ، خالق السماء وممسكها ، وفارش الأرض وداحيها ، وصانع ما بين ذلك ممّا عددنا وغير ذلك ممّا لم يحص .
وكذلك عاينت العين اختلافَ الليل والنهار دائبين جديدين ، لا يبليان في طول كرّهما ، ولا يتغيّران لكثرة اختلافهما ، ولا ينقصان عن حالهما : النهار في نوره وضيائه ، والليل في سواده وظلمته ، يلج أحدهما في الآخرَ حتّى ينتهي [ كلّ واحد منهما ] إلى غاية محدودة معروفة في الطول والقِصَر على مرتبة واحدة ومجرى واحد مع سكون مَن يسكن في الليل ، وانتشار من ينتشر في النهار ، وانتشار من ينتشر في الليل ، وسكون من يسكن في النهار ، ثمّ الحرّ والبرد وحلول أحدهما بعقب الآخرَ حتّى يكون الحرّ برداً والبرد حرّاً في وقته وإبّانه ؛ فكلّ هذا ممّا يستدلّ به القلب على الربّ سبحانه وتعالى ، فعرف القلب بعقله أنّ من دبّر هذه الأشياء هو الواحد العزيز الحكيم الذي لم يزل ولا يزال ، وأنّه لو كان في السماوات والأرضين آلهة معه سبحانه لذَهَبَ كلُّ إلهٍ بما خَلَق ، ولَعَلا بعضُهم على بعضٍ « 1 » ، ولفسد كلّ واحد منهم على صاحبه .
وكذلك سمعت الاذن ما نزل من المدبّر من الكتب تصديقاً لما أدركته القلوب بعقولها وتوفيق اللَّه إيّاها ، وما قاله من عرفه كنه معرفته بلا ولد ولا صاحبة ولا شريك ؛ فأدّت الاذن ما سمعت من اللسان بمقالة الأنبياء إلى القلب » . « 2 » انتهى ما أردنا نقله من قول الصادق أبي عبداللَّه عليه السلام في كتابه الآخر المسمّى بالاهليلجة .
قوله :
« فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها »
« 3 » . [ ح 12 / 12 ]
في النهاية :
وفي دعاء الانتباه : « الحمد للَّهالذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور » سمّى النوم موتاً لأنّه يزول معه العقل والحركة تمثيلًا وتشبيهاً لا تحقيقاً . وقيل : الموت يطلق في كلام العرب على السكون ، يُقال : ماتت الرِّيح ، أي سكنت .
هامش
( 1 ) . اقتباس من الآية 91 سورة المؤمنون ( 23 ) .
( 2 ) . بحارالأنوار ، ج 3 ، ص 161 - 165 ، ح 1 .
( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 164 .