بالإحسان » لما فيه من بيان المقتضى للإحسان ؛ فإنّ في تعليق الحكم على الوصف إيذاناً بأنّه الموجب للحكم .
والسؤال المتّجه في الآية المستدعي للاستئناف قول القائل من أولئك العباد الذين أضافهم اللَّه إلى نفسه تشريفاً لهم وتكريماً ، كما في قوله :
« إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ »
« 1 »
*
.
ثمّ أشعر بعلّة التشريف والتكريم بأنّهم امتازوا من بين سائر العباد ، وفازوا بمثل هذا الرشاد ، ولهذا أجيب بأنّ
« أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ »
« 2 » ؛ كأنّه قيل : الموصوفون بهذه الصفات جماعة محكوم عليهم بهذين الحكمين ، وإنّما ذكر الحكم الأوّل للإشعار بأنّهم فعلوا ما فعلوا لا بحولهم وقوّتهم ، بل بهداية اللَّه وتوفيقه .
ثمّ أردفه بالحكم الثاني إيذاناً لجهة القابليّة للهداية بعد ذكر الجهة الفاعليّة . وهذه النكتة ممّا استفدنا من شرح صدر المحقّقين . « 3 »
وفي الآية احتمال آخر وهو أن يكون الاستئناف قوله تعالى :
« الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ »
لا أولئك ، إلّاأنّ ما حرّرناه أوجه .
قوله : ( إنّ اللَّهَ أكْمَلَ للناسِ الحُجَجَ بالعقولِ ، ونَصَرَ النبيّينَ بالبيانِ ) . [ ح 12 / 12 ]
في القاموس : « الحجّ : الغلبة بالحجّة . والحُجّة - بالضمّ - : البرهان » « 4 » انتهى .
ولعلّه إنّما سمّي بها البرهان ؛ لأنّه يُغلب به على الخصم ، ومجئ فُعْلة بمعنى ما يفعل به قياس مطّرد ، كالقوّة لما يقوى به ، والوصلة لما يوصل به ، واللقمة لما يلقم به ، ولمّا كان العاقل المنصف إذا رأى أمراً يظهر له به حقّيّةُ دعوى المدّعي خَضَعَ له واستسلم ، فقد غلب المدّعي - بالكسر - بذلك الأمر صاحبه ، فالأمر حجّة ؛ لأنّه ما يغلب به ، وكذلك العقل ممّا يغلب به مدّعي الباطل ، والنبيّ بما به من آثار النبوّة ممّا يغلب به مَن في الكفر ؛ فهما حجّتان .
إذا عرفت هذا ، فاعلم أنّه ليس المراد بالحجج هاهنا المعصومين من الأنبياء
هامش
( 1 ) . الحجر ( 15 ) : 42 ؛ الإسراء ( 17 ) : 65 .
( 2 ) . الزمر ( 39 ) : 18 .
( 3 ) . شرح صدر المتألّهين ، ص 26 .
( 4 ) . القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 182 ( حجج ) .