والمراد بالجاهل هنا من فرّط في ذلك ، واكتفى بتقليد الحقّ ليكون اسم التفضيل على معناه الحقيقي ، والسهر والشخوص ما يكون على الوجه الصحيح ، وإن أخذ أعمّ منه ومن المجازي الذي هو مجرّد الفضل ، فالتفضيل بالنسبة إلى غير الصحيح ، كما في قولهم : الخلّ أحلى من العسل ، وكما في قوله تعالى :
« فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ »
« 1 » .
قوله : ( بَشَّرَ أهلَ العقلِ والفهمِ ) . [ ح 12 / 12 ]
المراد بالعقل هنا مصدر عقل ، بمعنى تدبّر وتفكّر ؛ بقرينة إردافه بالفهم .
قوله : « يستمعون القول » . [ ح 12 / 12 ]
أي لا يعرضون عن سماع الدعوة إذا لم يكونوا على يقين ببطلان خلاف ما هم عليه ، كما أعرض الأمم السابقة ؛ قال تعالى حكايةً عن نوح عليه السلام :
« وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً »
« 2 » ، وقال تعالى :
« وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ »
« 3 » ، فأمر اللَّه تعالى تبشير المشتاقين إلى الحقّ ، وهم الذين إذا وقعوا بين دعوات متقابلة لم يعرضوا عنها أجمع ، كما يفعله الملاحدة الفجرة ؛ خوفاً للزوم شيء عليهم ، وكما يفعله المقلّدة للآباء والأسلاف المتمكّنة بقريحتهم التي أعطوها من تمييز الحقّ والباطل ؛ خوفاً للزوم ترك طريقة الآباء ، بل استمعوها استماع دراية ، ثمّ لم يبادروا إلى اتّباع واحدة منها لغرضٍ باطل من مالٍ أو جاهٍ أو ما أشبههما ، بل تأمّلوا فيها ، فاتّبعوا أحسنها الذي هو الحقّ ، على أنّ اسم التفضيل منسلخ عن معنى الزيادة ، وضمير
« أَحْسَنَهُ »
في الآية إلى القول ، والقول عامّ للباطل والحقّ .
وهاهنا محمل آخر ، وهو أن يكون الضمير عائداً إلى مصدر الفعل ، أي يتّبعون أحسن اتّباع ، فالقول على هذا هو الكلام الحقّ .
وكلا المحملين مراد ، ومثل هذا كثير في القرآن المجيد ، وهذا الحديث يلائم الأوّل .
هامش
( 1 ) . الجمعة ( 62 ) : 9 .
( 2 ) . نوح ( 71 ) : 7 .
( 3 ) . فصّلت ( 41 ) : 26 .