ولا مَغدًى .
وبَقِيَ رجالٌ غَضَّ أبصارَهم ذِكْرُ المرجِعِ ، وأراقَ دُموعَهُم خوفُ المحشر ، فهم بين شَريد نادٍّ « 1 » ، وخائف مقموع ، وساكتٍ مَكْعومٍ ، « 2 » وداعٍ مُخْلِصٍ ، وثَكلانَ مُوجَعٍ ، قد أخمَلَتْهُم التقيّةُ ، وشَمِلَتْهُم الذلّةُ ، فهم في بحرٍ أجاج ، أفواههم ضامِزة ، « 3 » وقلوبهم قَرِحَةٌ ، قد وَعَظوا حتّى مَلّوا ، وقُهِروا حتّى ذَلّوا ، وقُتِلوا حتّى قَلّوا ، فلتكن الدنيا أصغر في أعينكم من حُثالَةِ القَرَظ « 4 » ، وقُراضَة الجَلَمِ « 5 » ، واتّعظوا بمن كان قبلَكم قبل أن يَتَّعِظَ بكم مَنْ بَعْدَكم ، وارفُضُوها ذَميمةً ؛ فإنّها قد رَفَضَتْ مَنْ كان أشغَفَ بها منكم » . « 6 »
قوله : ( ما قَسَمَ اللَّهُ للعبادِ [ شَيْئاً ] أفضَلَ من العقلِ ) . [ ح 11 / 11 ]
العقل قسمان : غريزي ، وكسبيّ . والكسبيّ هو الذي اخرج من القوّة إلى الفعل بالتجارب ، وتعلّم العلوم والآداب والعمل بها ، وكلاهما بحسب القسمة الأزليّة في التدبير الأزلي ، وسيجئ في باب البداء وبابٍ قبله وبابٍ بعده معنى التدبير الأزلي ، وليست التسوية مأخوذة في مفهوم القسمة .
قال المطرزي في المغرب : « القسم - بالفتح - مصدر قسم القسّام المال بين الشركاء :
فرّقه بينهم ، وعيّن انصباءهم » انتهى . « 7 »
نعم ، إذا استعمل مع « على » أريد التسوية ، فلكلّ مكلّف من كلّ من الغريزي والكسبي قسمة ونصيب .
والعاقل في قوله صلى الله عليه وآله : ( نومُ العاقلِ أفضَلُ مِن سَهَرِ الجاهلِ ) مَن وُفّق لإخراج ما في قوّته الغريزيّة إلى الفعل ، وحفظه عن استيلاء الهوى وغلبة حبّ الدنيا .
هامش
( 1 ) . شريد نادّ ، أي مطرود ذاهب لوجهه ؛ إما لإنكاره ، أو لقلّة صبره على مشاهدته . مجمع البحرين ، ج 3 ، ص 15 ( ندد ) .
( 2 ) . كَعَمَ البعير يَكْعَمُه كَعْماً ، فهو مَكعوم وكَعيم : شدّ فاه . لسان العرب ، ج 12 ، ص 522 ( كعم ) .
( 3 ) . « ضامزة » بالزاي ، أي ساكنة . راجع : الصحاح ، ج 2 ، ص 881 ؛ لسان العرب ، ج 7 ، ص 232 ( ضمز ) .
( 4 ) . الحُثالة والحُثال : الرديء من كلّ شيء . والقرظ : شجر يُدْبغ به . لسان العرب ، ج 7 ، ص 54 ( قرظ ) ؛ وج 11 ، ص 142 ( حثل ) .
( 5 ) . قال ابن أبي الحديد : « الجلم : المقصّ ، تجزّ به أوبار الإبل . وقراضته : ما يقع من قرضه وقطعه » . شرح نهج البلاغة ، ج 2 ، ص 177 .
( 6 ) . نهج البلاغة ، ص 74 ، الخطبة 32 .
( 7 ) . المغرب ، ص 382 ( قسم ) .