دَنَا كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعَرَقِ وَازورت مِنْهُمَا الْحَدَقَ وَافْتَرَقَ كُلِّ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ يَنْظُرُهُ شزرا وَيُكَلِّمُهُ قَهْراً فَنَظَرَ النَّاسِ إِلَى عِرْقٍ النَّبِيِّ وَقَدْ انْحَدَرَ عَلَى جَبِينِهِ وَعَارِضَيْهِ كَأَنَّهُ اللُّؤْلُؤِ الرُّطَبِ قَدْ انْصَرَمَ مِنْ سَلَكَهُ وَهُوَ أَطْيَبُ مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ وَالْكَافُورِ وَالْعَنْبَرُ وَقَالَ فتزاعق النَّاسِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَمَكَانَ وَكُلِّ حِزْبِ متعصب لحزبه وَقَدْ شَخَصَتِ نَحْوِهِمْ الْأَبْصَارُ وَمُدَّتِ الْأَعْنَاقُ وَرَكِبَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَقَامُوا عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعَهُمْ يَنْظُرُونَ مِنْ الْغَالِبُ وَمِنْ الْمَغْلُوبِ قَالَ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيِّ الْجَدِّ مِنْ أَبِي جَهِلَ ضَرَبَ يَدَهُ إِلَى وَسَطِهِ فَاجْتَمَعَ فِي يَدَهُ مِثْلَ الْكَرَّةُ وَخَفَّفَهُ اللَّهِ تَعَالَى فِي يَدِهِ حَتَّى رَفَعَهُ مِنْ الْأَرْضِ عَلَى يَدِهِ وَزُجٍّ بِهِ فِي الْهَوَاءِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبْلُغُهُ إِلَى السَّمَاءِ لَقَدَرَ حَتَّى خَفِيَ عَنْ أَعْيَنَ النَّاسِ فَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِمَّنْ حَضَرَ فَضَجَّتْ النَّاسِ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَشَخَصَتِ الْأَبْصَارُ وَذهلت الْعُقُولِ وَوَجِلْتُ الْقُلُوبِ فَأَقْبَلَ يَهْوِي عَلَى أُمِّ رَأْسَهُ فَاسْتَقْبَلَهُ النَّبِيِّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَنَاوَلَهُ الْيُسْرَى كَأَنَّهُ كَرَّةً يَلْعَبُ بِهَا الصِّبْيَانِ فِي الميدان فَلَمَّا صَارَ فِي يَدَهُ نَادَى أَبُو طَالِبٍ وَقَالَ زُجٍّ بِهِ أَيْضاً فزجه ثَانِيَةً فِي
الأنوار في مولد النبي محمد ( ص ) — صفحة 239
مساهمون: أحمد بن عبد الله البكري
ص٢٣٩