تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
ونبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم هو خاتم الأنبياء ومتمّم رسالاتهم ، وإنّا - وإن كان عليه الصلاة والسلام قد نهانا عن المفاضلة بين الأنبياء حتّى لا ننتقص من قدر أحدهم - نراه بلا مراء أعظمهم أثرا في تاريخ الإنسانية بما أرساه من مفاهيم وقيم روحية وعملية وأخلاق ومبادئ كانت أساسا لحقبة جديدة في طور الرقى الإنساني . لذا كانت السيرة النبوية الشريفة أشرف وأطرف العلوم الإنسانية ، وكان لها مكان الصدارة من علوم الدين ؛ ذلك أن الإسلام رسالة ورسول يبلغها ، وسيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم رسول ورسالة بعث بها إذ
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
[ النجم : 3 ، 4 ] فارتبط تدوين السيرة المحمدية بسائر العلوم الدينية ؛ من تفسير لآي الذكر الحكيم وعلم حديث وفقه وأصول دين وغيرها ، أخذا وعطاء . وللسيرة النبوية مصدران أساسيان : القرآن الكريم بما أورد من إشارات لبعض الأحداث النبوية ، والحديث الشريف الّذي ليس إلا مواقف نبوية إن قولا أو فعلا أو تقريرا ، ثم تأتى مصادر أخرى - فرعية - هي آثار الصحابة ورواياتهم ، ثم روايات غيرهم بعد تمحيصها وتدقيقها . والمؤرخ للسيرة النبوية حين يشرع فيها يجمع شوارد هذه السيرة في ترتيب تاريخي معيّن في إطار العصر وأحداثه . وللسيرة النبوية جوانب عديدة ؛ فهي إلى جانب كونها تاريخ رجل : طفولته وصباه ، وشبابه ورجولته إلى وفاته ، فهي تاريخ عصر عاشه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتاريخ رجال صحبوه وآخرين عادوه ؛ ففيها منهاج حياة في السلم والحرب ، وهي حياته الخاصة في بيته مع نسائه التي علّمت الناس أصول العشرة وآداب البيوت ، وهي سيرة عشرته مع أصحابه وذويه التي علمت الناس أصول الصحبة والإخاء والمودة ، وهي نظام اجتماعي متين : الأسرة نواته والتكافل رباطه ، وهي نظام اقتصادى لا ضرر فيه ولا ضرار الخ . . . لذلك فإن من كتب من العلماء والحفّاظ في فن السيرة والتأريخ للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يستطيعوا الإحاطة بشتّى جوانبها على كثرتهم ولم يوفوه حقه صلّى اللّه عليه وسلّم .
فإنّ فضل رسول الله ليس له * حدّ فيعرب عنه ناطق بفم
نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 4 | الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى