تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
عيسى ، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتّى أقبّل أعتابه ، امكثوا في أرضى ما شئتم . وأمر لهم بكسوة وطعام ، وقال لعمرو بن العاص وصاحبه : انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما أبدا ، ولا أكاد . فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص : والله لآتينّهم غدا ولأعيبنّهم عنده بما استأصل به خفارتهم « 1 » ، فقال له صاحبه - وكان اتقى الرجلين - : لا تفعل ؛ فإنهم أرحامنا ، وإن كانوا قد خالفونا ، قال : والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن المسيح ابن مريم عبد ، فلما كان الغد غدا إليه فقال له : أيها الملك ، إنهم يقولون في المسيح قولا عظيما ، فأرسل إليهم واسألهم . فأرسل إليهم ، فلما دخلوا عليه ، قال لهم : ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ [ عليه الصلاة والسلام ] فقال له جعفر : نقول فيه الّذي جاءنا به نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، هو عبد الله وروحه ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول . ثم قرأ عليهم صدرا من سورة مريم فبكى النجاشي حتّى اخضلت لحيته بدموعه ، وبكا « 2 » أساقفته حتّى اخضلت مصاحفهم « 3 » حين سمعوا ما تلى عليهم ، وقال : والله يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد فيما يقولون عن ابن مريم . ثم قال لجعفر وأصحابه : اذهبوا فأنتم سيوم بأرضى ( والسيوم : الآمنون ) من سبّكم أو اذاكم غرم ، ثم من سبكم أو اذاكم غرّم [ ثلاث مرات ] وقال : أبشروا ولا تخافوا ، فلا دهونة « 4 » اليوم على حزب إبراهيم ، فقال عمرو : يا نجاشي : ومن حزب إبراهيم ؟ قال : هؤلاء الرهط ، وصاحبهم الّذي جاءوا من عنده ومن اتبعهم ، فقال عمرو : بل نحن حزب إبراهيم ، فاختصم الفريقان في إبراهيم ، [ فأنزل الله تعالى في ذلك اليوم على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بالمدينة قوله تعالى :
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
[ آل عمران : 68 ] ، فقال النجاشي : إنما هديتكم لي رشوة فاقبضوها ، فوالله ما أخذ الله منى الرشوة حين ملّكنى . فخرجا من عنده خائبين مردودا عليهما ما جاءا به ، وأقام جعفر وأصحابه ثم في خير دار وأحسن جوار . ويفهم من فيض عين النجاشي وأصحابه بالدموع حين سمع قراءة جعفر رضى
هامش
( 1 ) الخفارة : شدة الحياء ، والخفير : المجاور ، والمجير ، والمعنى أنه يستفزه فلا يجيرهم بعد ذلك فيطردهم ، وذلك يذهب بهاء وجوههم في زعه . ( 2 ) في الأصل « وبكوا أساقفته » . ( 3 ) المصاحف : الصحف التي يقرءون فيها ، ومنه سمى المصحف مصحفا لأنه يكتب في صحائف . ( 4 ) أي لا تحريض ولا أذى .