تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
بلغهم أنهم عادوا له بالشرّ ، فرجعوا إلى الحبشة ، ولم يدخل أحد منهم مكة إلا ابن مسعود فإنه دخل ثم خرج ومعه عدد كثير من المسلمين ، وهذه هي الهجرة الثانية كما سبق التنويه إلى ذلك في الفصل الثاني في الهجرتين إلى الحبشة من الباب الثاني ، وقد سبق أن المهاجرين يزيدون على مائة نفس . أحسن النجاشىّ جوارهم ، ومكثوا آمنين على دينهم ، يعبدون الله كما يحبون ، فلما هاجر صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة جمعت قريش مالا من كل ما يستطرف من متاع مكة ، وأهدوه إلى النجاشي وبطارقته جميعا ، وبعثوا به عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط ، فقدما على النجاشي والمهاجرون عنده بخير دار وأحسن جوار ، فلما دخلا عليه سجدا له وقرّبا هداياهم إليه ، فقبلها منهما ، وقالا له : إن قومنا يحذرونك من هؤلاء الذين قدموا عليك ؛ لأنهم قوم رجل خرج فينا يزعم أنه رسول الله ، ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء ، وقد كنا ضيّقنا عليهم فجاءوا إليك ؛ ليفسدوا عليك دينك وملكك فادفعهم إلينا لنكفيكهم . فغضب النجاشي عند ذلك ، وقال : « والله لا أسلمهم إليكما حيث اختارونى على من سواي ، حتى أدعوهم وأسألهم عمّا يقولون ، فإن وجدت أنهم على خلاف ما تقولون أحسنت جوارهم ما جاورونى » . فأرسل إليهم ليجمعهم ، فدخلوا عليه في مجلسه ، وعمرو بن العاص عن يمينه وصاحبه عن يساره ، والقسيسون والرهبان جلوس عنده ، فلما انتهوا إليه قالوا لهم : اسجدوا للملك ، فلم يسجدوا له ، فلما سألهم النجاشي عن ذلك قالوا : ما نسجد إلا للذي خلقك وملّكك ، وقد علّمنا نبيّنا الصادق تحية أهل الجنة ، وهي : السلام . فعرف النجاشي أن ذلك حق ، وأنه في التوراة والإنجيل ، فقال : اختاروا من يتكلم عنكم ، فقال جعفر : أنا أستأذن وأتكلم . فأذن له فقال جعفر للنجاشي : سل هذين الرجلين ( يعنى عمرا وصاحبه ) : أعبيد نحن أم أحرار ؟ فقالا : بل أحرار كرام ، فقال جعفر : سلهما هل أهرقتا دماء بغير حق فيقتص منا ؟ فقال عمرو : لا ، ولا قطرة ، فقال جعفر : سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤه ؟ فقال النجاشي : إن كان قنطارا فعلىّ قضاؤه ، فقال عمرو : ولا قيراط ، فقال النجاشي : فما تطلبون منهم ؟ قال عمرو : كنا وإياهم على دين واحد ، وأمر واحد ، على دين آبائنا ، فتركوا ذلك واتبعوا غيره ، فبعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتدفعهم إلينا ، فهم أعلم بما عابوا عليهم وعاينوه منهم . فقال النجاشي لجعفر وأصحابه : ما هذا الدين الّذي اتبعتموه وفارقتم فيه دين قومكم ، فلم تدخلوا في