المشهور عن مالك وأكثر أصحابه تفضيل المدينة ، وقد رجع عن هذا القول أكثر المصنفين من المالكية ، واستثنى القاضي عياض البقعة التي دفن فيها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فحكى الاتفاق على أنها أفضل بقاع الأرض . وأنشد بعضهم :
جزم الجميع بأنّ خير الأرض ما * قد حاط ذات المصطفى وحواها
ونعم لقد صدقوا بساكنها علت * كالنفس حين زكت زكا مأواها
وزاد بعضهم بعد هذين البيتين :
وبهذه ظهرت مزيّة طيبة * فغدت وكلّ الفضل في مغناها
حتّى لقد خصّت بروضة جنة * الله شرّفها بها وحباها
ما بين قبر للنبىّ ومنبر * حيّا الإله رسوله وسقاها
ورجّح بعضهم المدينة ؛ لأن ميل كل نفس حيث حلّ حبيبها « 1 » كما قال بعضهم :
عليّ لربع العامرية وقفة * ليملي عليّ الشوق والدمع كاتب
ومن مذهبي حبّ الديار لأهلها * وللناس فيما يعشقون مذاهب
ولما هاجر صلّى اللّه عليه وسلّم وأكثر اليهود يستقبلون بيت المقدس ، وأمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، فرحت اليهود ، فاستقبل بيت المقدس ستة عشر شهرا ، وكان يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم ، فكان يدعو وينظر إلى السماء ، فنزلت الآية ،
قَدْ نَرى
هامش
( 1 ) ولأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال - فيما رواه ابن عساكر عن أبي سعيد : « الناس تبع لكم يا أهل المدينة في العلم » وبطبيعة الحال لا يكون التابع أفضل من المتبوع ، ذلك لأن المدينة انتشر منها العلم وفتوحات الإسلام ، والله سمّاها الإيمان في قوله :وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ .على أن في مذهبي وعقيدتي أن المفاضلة بين مكة والمدينة متعذرة ، فهذه فيها مولد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتلك فيها وفاته ، وكلا البلدين حرم أمن . وقد قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم في المدينة : « إنها حرم أمن ، إنها حرم أمن » رواه الإمام أحمد ومسلم عن سهل بن حنيف ، وقال الله في مكة المشرفة :أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ[ العنكبوت : 67 ] وليس وراء المفاضلة ما يفيد الناس ، وإن كان المتفق عليه من جميع أهل العلم أن البقعة التي ضمت جسد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم هي أفضل بقعة في الأرض والسماء .