تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
أي هذا المحمول من الطين أبرّ وأطهر يا ربّنا ، لا ما يحمل من خيبر من نحو التمر والزبيب . وعمل فيه المسلمون . والمحرّم عليه صلّى اللّه عليه وسلّم من الشعر إنما هو إنشاؤه : ( أي الإتيان بالكلام الموزون عن قصد وزنه ) وهذا هو المعنىّ بقوله تعالى :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ
[ يس : 69 ] فإن فرض وقوع الكلام موزونا منه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يكون ذلك شعرا متعارفا ؛ لعدم قصد وزنه ، فليس من الممنوع منه ، والغالب عليه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه إذا أنشد بيتا من الشعر متمثلا أو مسندا لقائله ، لا يأتي به موزونا . وعن عائشة رضي الله عنها لمّا قيل لها : هل كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يأتي بشيء من الشعر ؟ قالت : كان أبغض الحديث إليه الشعر ، غير أنه كان يتمثّل ويجعل أوّله آخره ، وآخره أوّله ، أي غالبا ، كأن يقول : * ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار * ويقول : * كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا * أي وذلك قول سحيم عبد بنى الحسحاس ، شاعر مشهور مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام : * كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا * ولما غيّر ذلك رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قال له الصدّيق رضي الله عنه : إنما قال الشاعر كذا ، فأعاد صلّى اللّه عليه وسلّم كالأوّل ، فقال الصدّيق : أشهد أنّك رسول الله ( وما علّمناه الشعر ) . وقد قيل له صلّى اللّه عليه وسلّم : من أشعر الناس ؟ قال : الّذي يقول :
ألم ترياني كلما جئت طارقا * وجدت بها وإن لم تطيّب طيبا
الأصل : [ وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب ] وعن الخليل : كان الشعر أحبّ إليه صلّى اللّه عليه وسلّم من كثير من الكلام ، وهذا لا يخالف قول عائشة رضي الله عنها : « كان أبغض الحديث إليه صلّى اللّه عليه وسلّم الشعر » ، لأن المراد بالشعر الّذي يحبه ما كان مشتملا على حكمة أو وصف جميل من مكارم الأخلاق ، والّذي يبغضه ما كان مشتملا على ما فيه هجنة أو هجو ، ونحو ذلك ، ومن ثم قيل : « الشعر كلام ، حسنه حسن ، وقبيحة قبيح » . وقد كان له صلّى اللّه عليه وسلّم شعراء مثل : عبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك ، وحسان بن
نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 195 | الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى