ذوب الملح في الماء » « 1 » .
وكان عليه الصلاة والسلام كلما مرّ على دار من دور الأنصار يدعونه إلى المقام عندهم يقولون : يا رسول الله هلم إلينا ، إلى القوة والمنعة . فيقول رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « خلّوا سبيل الناقة فإنها مأمورة من قبل الله تعالى » وقد أرخى زمامها وما يحرّكها ، وهي تنظر يمينا وشمالا ، حتى إذا أتت دار مالك بن النجار بركت حيث مسجده الشريف الآن ، ثم سارت وهو صلّى اللّه عليه وسلّم عليها ، ومشت حتّى بركت على باب أبى أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، من بنى مالك بن النجار ، من كبار الصحابة ، شهد بدرا والمشاهد ، ثم قامت ومشت والتفتت خلفها ، ثم رجعت إلى منزلها أوّل مرة بمحلّ باب المسجد ، وبركت فيه ، ثم تجلجلت ( بجيمين ) أي تحركت وألقت عنقها بالأرض وصوّتت من غير أن تفتح فاها ، فنزل عنها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال : « هذا المنزل إن شاء الله تعالى ، اللهم أنزلنا منزلا مباركا » .
ولما بركت الناقة على باب أبى أيوب خرج جوار من بنى النجار يضربن بالدفوف يقلن :
نحن جوار من بنى النجار * يا حبذا محمد من جار
فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : أتحببنني ؟ قلن : نعم يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : « الله أعلم أنّ قلبي يحبكم » ، وفي هذا دليل لسماع الغناء على الدف من المرأة لغير العرس « 2 » . وسيأتي بسط الكلام على السماع في اخر فصل في الكتاب .
هامش
( 1 ) رواه الإمام أحمد ، ومسلم ، وابن ماجة .
( 2 ) ليس هذا دليلا ، لأنه لم يكن قد نزل تشريع بعد ، وقد نزل التشريع بعد ذلك بتحريم الغناء واللهو كله ، قليله وكثيره ، تحريما قاطعا ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : الغناء ينبت النفاق في القلب ، كما ينبت الماء البقل » ( رواه ابن أبي الدنيا ، والبيهقي ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لست من دد ولا الدد منى » رواه البخاري في الأدب ، والبيهقي عن أنس والطبراني عن معاوية ، أوضحها إيضاحا تاما قوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
« لست من دد ولا الدد منى ، ولست من الباطل ولا الباطل منى » ( رواه ابن عساكر عن أنس ) .
وفي الحديث : « نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الغناء والاستماع إلى الغناء ، وعن الغيبة والاستماع إلى الغيبة ، وعن النميمة والاستماع إلى النميمة » ( رواه الطبراني والخطيب عن عبد الله بن عمر ) .
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين في الجنة » ( رواه الحكيم عن أبي موسى ) وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من استمع قينة صبّ في أذنيه الآنك يوم القيامة ، والأحاديث في هذا الباب لا تكاد تقع تحت حصر ، فليتق الله الذين يطلقون الفتاوى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، فإن الله تعالى سائلهم يوم القيامة عمّا افتوا ، على أن الشيخ رحمه الله لا يقصد قطعا هذه القاذورات التي نتعاطاها اليوم .