تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
وأيضا الظاهر من قوله تعالى :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ
أنه يقظة ؛ فإن العبد ( كما في المحكم ) « 1 » الإنسان : حرّا كان أو عبدا لأنه مملوك لربه ، وهو في الأصل صفة ، لكنه استعمل استعمال الأسماء ، والمراد به هنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ففي قوله
بِعَبْدِهِ
دليل على أن الإسراء كان بروحه وجسده ، لا بروحه فقط ؛ إذ العبد اسم للجسد والروح . وتعجّب قريش من ذلك لاستحالتهم إياه مدفوع « 2 » كما قال أهل الهيئة « 3 » إن الفلك الأعظم في مقدار ما يتلفظ الإنسان بلفظة واحدة يقطع ألفا واثنين وثلاثين فرسخا ، وكما قاله البيضاوي بما ثبت في الهندسة أنّ ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين كرة الأرض مائة ونيفا وستين مرة ، ثم إن طرفها الأسفل يصل موضعها الأعلى في أقل من ثانية « 4 » وهي جزء من ستين جزءا من الدقيقة . وقد برهن في كتاب « الإحكام » أن الأجسام متساوية في قبول الأعراض ، فاللّه قادر على كل الممكنات ، فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي ، أو فيما يحمله ، والتعجب من لوازم المعجزات . ا ه . قال محشّيه « 5 » : وأيضا كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش ، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم . فإن كان معراجه صلّى اللّه عليه وسلّم في ليلة واحدة ممتنعا ، كان نزول جبريل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعا ، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والقول بثبوت المعراج متفرع على نحو تسليم جواز أصل النبوة ، فثبت أن القائلين بامتناع صعود حركة جسمانية سريعة إلى هذا الحدّ يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل في لحظة واحدة من العرش إلى مكة ، وإن كان ذلك باطلا كان ما ذكر أيضا
هامش
( 1 ) كتاب المحكم لابن سيده وهو العمدة في المعاجم . ( 2 ) أي مردود عليه . ( 3 ) علماء الطبيعة ( الفيزياء ) . ( 4 ) لأنها نجم سيار ، فالمكان الّذي يكون فيه طرفها الأعلى يصله طرفها الأسفل في هذه المدة ، واللّه هو الأعلم والأدرى بخلقه . ( 5 ) أي صاحب الحاشية أي الهامش على الكتاب المذكور .