تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
وأصحابه ، وفشت تلك الكلمة في الناس ، وأظهرها الشيطان حتّى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين ، ثم بعد مكثهم هناك دون ثلاثة أشهر رجع كثير منهم عندما بلغهم عن المشركين بسجودهم مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم عند قراءته سورة « والنجم » ، وظنوا إسلامهم . ولما بلغ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم تلك الكلمة التي فشت في الناس ساءه ذلك ؛ فأنزل اللّه عز وجل :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى
أي قرأ
أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
[ الحج : 52 ] ( أي قراءته ) كما قال الفراء . ويؤيده ما رواه ابن جرير : « وإلقاء الشيطان فيها أن يتكلم بذلك رافعا صوته ، بحيث يظن السامعون أنه من قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم » . وعلّقه البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضى اللّه عنهما في قوله تعالى :
إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
[ الحج : 52 ] قال : إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه « 1 »
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
[ الحج : 52 ]
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بإلقاء الشيطان ما ذكر ،
حَكِيمٌ
في تمكينه منه ، يفعل ما يشاء » . ويؤيد ذلك ما سبق في الفصل الأوّل من هذا الباب من أن كفار قريش لما كانوا يطوفون بالكعبة كانوا يقولون : « واللات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى ، فإنهن غرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي » ، فكانت هذه العبارة مركوزة في أذهانهم ، هاجسة في خواطرهم ، يخيّل لهم سماعها ، وأن الشيطان نطق بها عند انقطاع نفس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في التلاوة ، فحاكى بها صوته . واللّات والعزّى ومناة : أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها ، وقيل غير ذلك . والغرانيق هي في الأصل : الذكور من طير الماء الأبيض الطويل العنق ، وقيل أسود كالكركي ، وقيل : إنه الكركي ، ويتجوّز به عن الشاب الناعم ، والمراد بها الأصنام ، حيث كانوا يزعمون أن الأصنام تقرّبهم من اللّه وتشفع لم ، فشبّهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع . والفرق بين الصنم والوثن أن الصنم الصورة بلا جثة ، والوثن كل ما له جثة
هامش
( 1 ) نص ما قاله البخاري كاملا : « وقال ابن عباس :فِي أُمْنِيَّتِهِإذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ، فيبطل اللّه ما يلقى الشيطان ، ويحكم آياته » . اه .