تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يختلى في كل سنة شهرا عن « * » أهل بيته في غار حراء « 1 » بقرب مكة ، فيتعبد فيه الليالي ذوات العدد ، غريقا في بحار الأفكار ملازما للصمت اناء الليل وأطراف النهار ، حتى أتاه الوحي على رأس الأربعين سنة في محل العبادة بالنبوة ، فأوّل ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم ؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، فكانت تلك المنامات الصادقة مقدّمات للوحي ، قيل مدتها ستة أشهر ، ابتداؤها شهر ربيع الأوّل ، ثم فجأه جبريل وهو بالغار المذكور في شهر رمضان ، فقال له : اقرأ ، فقال : ما أنا بقارئ ، فغطّه « 2 » حتى بلغ منه الجهد ، ثم قال له : اقرأ « 3 » ، فقال : ما أنا بقارئ ، فغطّه كذلك ، ثم أعاد جبريل فقال له : اقرأ ، وأعاد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : ما أنا بقارئ ، فقال له جبريل بعد المرة الثالثة :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
حتى بلغ
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
فقرأها . و « ما » في قوله « ما أنا بقارئ » نافية في الكل ، أو الأولى للامتناع ، والثانية للإخبار بالنفي المحض ، والثالثة استفهامية ، وكرر عليه الغطّ ليقبل بكلّيته ويتم توجهه لما سيلقى عليه . ولما عاد إلى خديجة وأخبرها الخبر « 4 » قالت : « واللّه لا يخزيك اللّه أبدا إنك لتصل الرّحم وتقرى الضيف وتحمل الكلّ وتعين على نوائب الدهر » ثم انطلقت به حتّى أتت ابن عمها ورقة بن نوفل فأخبرته خبر ما رأي ، فقال له ورقة : هذا الناموس الّذي أنزله اللّه على موسى ، يا ليتني فيها جذعا ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أو مخرجيّ هم ؟ قال :
هامش
* في الأصل « مع أهل بيته » وهو خطأ ظاهر . ( 1 ) « حراء » المقيم فيه تجتمع له ثلاث عبادات : الخلوة ، والتعبد ، والنظر إلى البيت . وقيل كانت قريش تفعله . وأوّل من فعل ذلك من قريش : عبد المطلب ، وتبعه على ذلك من كان يتأله ( أي يعبد اللّه تعالى ) وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يخلو بمكان جده . ( العمدة ) ج 20 ص 5 . ( 2 ) غطه : أي عصره عصرا شديدا ( المعجم الوسيط : 680 ) . ( 3 ) وما الّذي أراد بقوله « اقرأ » ؟ قلت : هو المكتوب الّذي في النمط ، ( كذا في رواية ابن إسحاق ) فلذلك قال : ما أنا بقارئ ، يعنى أنا أمي لا أحسن قراءة الكتب انتهى . ما قاله العيني ج 20 ص 6 من العمدة طبع الحلبي . ( 4 ) وفي السيرة الحلبية ما نصه : « . . . فما زلت واقفا ، ما أتقدم أمامى وما أرجع ورائي حتّى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، فبلغوا مكة ورجعوا إليها ، وأنا واقف في مكاني ، ثم انصرف عني ، وانصرفت راجعا إلى أهلي ، حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها ، مضيفا إليها . . . » إلخ .