تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
نعم ، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا . ثم لم يلبث ورقة أن توفي . وفتر الوحي نحو ثلاث سنين « 1 » . وإنما كان بدء الوحي بالرؤيا الصادقة لئلّا يفجأ الملك ويأتيه بصريح النبوّة بغتة فلا تقبلها القوى البشرية ، فبدئ بأول تباشير النبوة وخصال الكرامة تأنيسا وتمرينا له . فلما تمرن على ذلك في المنام جاءه الملك في اليقظة بصريح النبوة والكلام ، ثم بعد ذلك فتر الوحي نحو ثلاث سنين فيما جزم به ابن إسحاق ، وقيل سنتين ونصفا « 2 » ليذهب عنه ما وجده من الرّوع وليزيد تشوّقه إلى العود ، ومن ثم حزن لذلك حزنا شديدا . * ثم نزل عليه جبريل بعد ذلك بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ . .
وتتابع الوحي ، فهي أوّل ما نزل عليه بعد فترة الوحي « 3 » ، ونزولها ابتداء رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهي متأخرة عن نبوته بثلاث سنين ، وقيل مقارنة لنبوته ، وأما
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
فهي أوّل ما نزل مطلقا ، والقول بأن أوّل ما نزل مطلقا
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
باطل كما قاله النووي . وظهر من نزول
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
أولا ونزول
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
بعد فترة الوحي أن نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم كانت متقدمة على رسالته ، كما صرّح به أبو عمر وغيره « 4 » ، وعلى ذلك يحمل قول صاحب جامع الأصول :
هامش
( 1 ) هذا هو الرأي السائد بين المؤرخين ، وهو الأقرب إلى الصواب . ( 2 ) ذكره الحافظ أبو القاسم السهيلي ، قال : وقد جاء في بعض الأحاديث المسندة أن مدة هذه الفترة كانت سنتين ونصفا ، وجاء عن ابن عباس أنها كانت أياما . ( 3 ) قال صاحب السيرة الحلبية : « . . . ثم رأيت في فتح الباري : ليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين بيناقْرَأْويا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُعدم مجىء جبريل عليه الصلاة والسلام إليه ، بل تأخر نزول القرآن عليه فقط . . . » ثم قال صاحب السيرة : فكان جبريل يأتي إليه بغير قران بعد مجيئه إليه باقرأ ، ولم يجيء إليه بالقرآن الّذي هويا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُإلا بعد الثلاث سنين . ( 4 ) وفي الحديث المتفق عليه : لما علّمهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الدعاء بقوله : « اللهم أسلمت نفسي إليك ووجّهت وجهي إليك وألجأت ظهري إليك ؛ رغبة ورهبة إليك ، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك ، آمنت بكتابك الّذي أنزلت ونبيك الّذي أرسلت » قال رجل من الحاضرين : « ورسولك الّذي أرسلت » فضرب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على صدره وقال : « كنت نبيا قبل أن أكون رسولا » .