تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
الأعياد توقيفية ، ولم يشرع غير هذين اليومين ( 1 ) ، أو يقال سدا للذريعة ، وما أشرت إليه أوّلا ألطف ، وإلا ففي الحقيقة مولده صلّى اللّه عليه وسلّم عيد وأيّ عيد ، يشمل القريب من أمته والبعيد . وبالجملة فالاعتناء بوقت مولده الشريف صلّى اللّه عليه وسلّم ، والإنشاد للمدائح النبوية والزهدية والعرفانية ، وإطعام الطعام والصدقات السنية أمر حسن منيف ، يثاب فاعله الثواب الجزيل ، بقصده الجميل ، وإن كان عمله لم ينقل عن أحد من السلف الصالح والقرون الثلاثة الفاضلة ، وإنما حدث بعدها ، فلذلك كان بدعة حسنة عند من تحقّق العلم وأتقنه ، ثم لا زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن العظام يحتفلون في شهر مولده خصوصا في ليلته ، بعمل المولد بما ذكر ، وإظهار السرور بذلك والحبور بتلك المسالك ، وبعضهم يزيد على ذلك بقراءة ما صنف في المولد الشريف وما ورد فيه من الخير الثابت المنيف ، على أنه ليس قيدا في استحباب عمل المولد المذكور ، وإنما هو لزيادة الأجور . وقد جرت العادة أنه إذا ساق الوعّاظ والمدّاح مولده صلّى اللّه عليه وسلّم وذكروا وضع أمّه له صلّى اللّه عليه وسلّم : قام أكثر الناس عند ذلك تعظيما له صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا القيام بدعة لا أصل لها ، لكن لا بأس به لأجل التعظيم ، بل هو فعل حسن ممن غلب عليه الحب والإجلال لذلك النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم ، وما أحسن قول الإمام أبى زكريا يحيى الصرصرى الحنبلي في بعض قصائده النبوية :
قليل لمدح المصطفى الخطّ بالذهب * علي فضة من خطّ أحسن من كتب
وأن ينهض الأشراف عند سماعه * قياما صفوفا أو جثيا علي الرّكب
أما الله تعظيما له كتب اسمه * علي عرشه يا رتبة سمت الرّتب
وقد اتفق أن منشدا أنشد هذه القصيدة في ختم درس شيخ الإسلام تقيّ الدين أبى الحسن عليّ بن السبكي رحمه الله ، وكان القضاة والأعيان مجتمعين عنده ، فلما وصل المنشد في قوله : * وأن ينهض الأشراف عند سماعه * إلى اخر البيت ، قام الشيخ في الحال على قدميه امتثالا لما ذكره الصرصري ، وقام الناس كلهم وحصلت ساعة طيبة . ذكر ذلك ولده التاج السبكي في ترجمته من طبقاته .