لأن لين العيش وإصلاحه من المباحات ، فوسائله مباحة ، زاد بعضهم : ومن البدع المباحة التوسع في لذيذ المآكل والمشارب والملابس وتوسيع الأكمام ، وبما تقرر علم أن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إياكم ومحدثات الأمور » عامّ أريد به خاص ؛ إذ سنّة الخلفاء الراشدين منها ، مع أنّا أمرنا باتباعها لرجوعها إلى أصل شرعي « 1 » .
قال بعض المتأخّرين : وكذلك سنتهم عامّ أريد به خاص ، إذ لو فرض خليفة راشد في عامّة أمره سنّ سنة لا يعضدها دليل شرعي ، امتنع اتباعها ، ولا ينافي ذلك رشده ؛ لأنه قد يخطئ المصيب ويزيغ المستقيم « 2 » يوما ما ، ففي الحديث :
« لا حليم إلا ذو عثرة ولا حكيم إلا ذو تجربة » « 3 » .
ولنا قاعدة ، وهي : كل حكم أجازه الشارع أو منعه وأمكن ردّه إلى أحدهما فهو واضح ، فإن أجازه مرة ومنعه أخرى : فالثاني ناسخ للأوّل ، وإن لم يرد عنه إجازته ولا منعه ولا أمكن ردّهما إليه بوجه : ففيه الخلاف قبل ورود الشرع ، والأصح ألا حكم فلا تكليف فيه بشيء ، وقيل : يرجع فيه إلى المصلحة والسياسة ، فما وافقهما منه : أخذ به ، وما لا : ترك ، كذا قال بعض المتأخرين ، ولا شك في حسنه .
وقد تكلم الإمام أبو عبد الله بن الحاج في كتابه « المدخل » على عمل المولد ، فأتقن الكلام فيه جدا ، وحاصله : مدح ما كان فيه من إظهار شعار وشكر ، وذم ما احتوى عليه من محرمات ومنكرات .
وقال الحافظ : « أصل عمل المولد بدعة ، لم ينقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدّها ، فمن تحرّى في عمله المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة ، ومن لا فلا » .
هامش
( 1 ) قال عليه الصلاة والسلام : « الزموا سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي » رواه ابن عبد البر في كتابه : جامع بيان العلم وفضله ص 484 ، فأنت بهذا مأمور بما فعله أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، لا خيار لك في تركه .
( 2 ) لكنهم لم يستنوا شيئا يخالف رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكيف وقد وصفهم الله تبارك وتعالى بقوله :فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[ الأعراف : 157 ] ، وعلى هذا فكلام بعض المتأخرين هذا ساقط ونسأل الله السلامة والعافية .
( 3 ) رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد .