أقول : ويحق لي أن أطيل البكاء وأتمثل بقول أمير المؤمنين سيد الأوصياء صلوات اللّه عليه : اين الذين تعاقدوا على المنية وأبرد برءوسهم إلى الفجرة « 1 » وأن أتمثل بقول الشاعر :
بنفسي رؤوس معلنات « 2 » على القنا * إلى الشام تهدى بارقات الأسنة
بنفسي خدود في التراب تعفرت * بنفسي جسوم بالعراء تعرت
ربيع اليتامى والأرامل فابكها * مدارس للقرآن في كل سحرة
وأعلام دين المصطفى وولاته * وأصحاب قربان وحج وعمرة « 3 »
روي عن عبد اللّه بن ربيعة الحميري قال : إني لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ أقبل زحر بن قيس حتى دخل عليه ، فقال له يزيد : ويلك ما وراؤك وما عندك ؟
فقال : أبشر بفتح اللّه ونصره ورد علينا الحسين بن علي عليهما السلام في ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته ، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد اللّه بن زياد أو القتال فاختاروا القتال على الاستسلام ، فعدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية ، حتى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم جعلوا يتهربون ( يهربون خ ل ينهزمون خ ل ) إلى غير وزر ويلوذون منا بالآكام والحفر لواذا كما لاذ الحمائم من صقر ، فو اللّه يا أمير المؤمنين ما كان إلا جزر جزور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم ، فهاتيك أجسادهم مجردة وثيابهم مرملة وخدودهم معفرة تصهرهم الشموس وتسفي عليهم الرياح ، زوارهم العقبان والرخم بقاع « 4 » سبسب . فأطرق يزيد هنيهة ثم رفع رأسه وقال : قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ، أما لو أني كنت صاحبه لعفوت عنه ، فرحم اللّه الحسين . ولم يصله بشيء « 5 » .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة 177 وفيه : « النية » مكان المنية .
( 2 ) في المناقب والبحار : معليات .
( 3 ) البحار 45 / 280 ، وراجع المناقب 4 / 126 .
( 4 ) في بعض المصادر : بقي سبسب .
( 5 ) تاريخ الطبري 7 / 374 ، الكامل 4 / 83 مع اختلاف يسير ، الارشاد : 239 ، القمقام : 543 .