أن ننسى أن فكرة البداء قد اختفت بموت الأئمة ، لأنه كان مرتبطا ارتباطا لا انفصام له بشخصية الأئمة ، الذين جعلهم الله لإظهار كلمته .
البداء إذن غير موجود من الناحية العملية ولا يوجد إلا في الكتب الكلامية بوصفه حقيقة تاريخية ونظرية تتصل بمرحلة قديمة .
وكما ارتبطت فكرتا التقية والبداء بالأئمة ارتباطا وثيقا ، ارتبطت بهم كذلك فكرتا الرجعة والغيبة ، ويغلب على الظن أنهما أقدم منهما . وقد ذكرنا أن عمر خطب بعد موت النبي في المسجد وقال إن محمدا لم يمت ميتة أبدية ، وإنما ستكون له رجعة « 89 » . وقد ذكرنا كذلك أن عبد الله بن سبأ قال إن عليا لم يمت ، وإنما قتل في مكانه شبيه له « 90 » . وشاع بين أتباع محمد بن الحنفية أن سيدهم لم يمت ، وإنما هو مقيم بجبل رضوى وعنده عسل وماء ، وسيظهر في يوم آخر « 91 » ، وهكذا تتكاثر الأمثلة . إذن فعودة شخص معين كانت تفهم في الأصل من اسم « الرجعة » ، ومع مضي الزمن ، تطور مفهوم كلمة « الرجعة » وابتعد عن معناها الأصلي .
وعليه فإن الرجعة لا تعني عند معظم الشيعة رجعة شخص واحد بعد موته ، وإنما تعني رجعة الأئمة الاثني عشر والنبي ومعهم أعداؤهم ليثأروا منهم . ويمثل هذا الرأي قسم من الشيعة ، ومنهم العلامة الشريف المرتضى ، الذي عاش في عصر البويهيين ، أي في الوقت ، الذي تطورت فيه سلطة المذهب الشيعي وظهرت أمام الناس جميعا ، فلم يعد الشيعة يتسترون في إظهار تقاليدهم واحتفالاتهم الدينية أمام أي إنسان ، وكان العلماء يظهرون كراهيتهم للخليفة دون خوف من مطاردته لهم ، وكانوا يتوقعون أن محاسبتهم لأعداء المذهب الشيعي لم تعد بعيدة . « 92 » .
هامش
( 89 ) ينظر مقدمة الكتاب .
( 90 ) نفسه .
( 91 ) نفسه .
( 92 ) بحار ، ج 13 ، ص 235 .