من ملك الدنيا بأسرها ، سألته بهم صلّى اللّه عليهم أن يهب لي لسانا لتحميده وثنائه ذاكرا ، وقلبا لآلائه شاكرا ، وعلى الدواهي الداهية لي صابرا ، وهو عزّ وجلّ قد أجابني إلى ملتمسي من ذلك ، وهو أفضل من ملك الدنيا بحذافيرها ، وما تشتمل عليه من خيراتها مائة ألف ألف مرّة .
قال عليه السّلام : فجعلوا يهزءون به ، ويقولون : يا سلمان ! لقد ادّعيت مرتبة عظيمة شريفة نحتاج أن نمتحن صدقك من كذبك فيها ، وها نحن أوّلا قائمون إليك بسياط فضاربوك بها ، فسل ربّك أن يكفّ أيدينا عنك .
فجعل سلمان يقول : « اللّهمّ اجعلني على البلاء صابرا » .
وجعلوا يضربونه بسياطهم حتّى أعيوا وملّوا ، وجعل سلمان لا يزيد على قوله : « اللّهمّ اجعلني على البلاء صابرا » .
فلمّا ملّوا وأعيوا ، قالوا له : يا سلمان ! ما ظننّا أنّ روحا تثبت في مقرّها مع مثل هذا العذاب الوارد عليك ، فما بالك لا تسأل ربّك أن يكفّنا عنك ؟
فقال : لأنّ سؤالي ذلك ربّي خلاف الصبر ، بل سلّمت لإمهال اللّه تعالى لكم ، وسألته الصبر .
فلمّا استراحوا ، قاموا إليه بعد بسياطهم ، فقالوا : لا نزال نضربك بسياطنا حتّى تزهق روحك ، أو تكفر بمحمّد .
فقال : ما كنت لأفعل ذلك ، فإنّ اللّه قد أنزل على محمّد :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
« 1 » وأنّ احتمالي لمكارهكم - لأدخل في جملة من مدحه اللّه بذلك - سهل عليّ يسير ، فجعلوا يضربونه بسياطهم حتّى ملّوا ، ثمّ قعدوا ، وقالوا : يا سلمان ! لو كان لك عند ربّك قدر لإيمانك بمحمّد لاستجاب [ اللّه ] دعاءك ، وكفّنا عنك .
هامش
( 1 ) البقرة : 2 / 3 .