كما ننفض ، ويدّعي أنّه رسول اللّه .
فقال بعض مردة المنافقين : هذه صحراء ملساء « 1 » لأتعمّدنّ النظر إلى استه إذا قعد لحاجته حتّى أنظر هل الذي يخرج منه كما يخرج منّا أم لا ؟
فقال آخر : لكنّك إن ذهبت تنظر منعه حياؤه من أن يقعد ، فإنه أشدّ حياء من الجارية العذراء الممتنعة المحرمة ، قال : فعرّف اللّه عزّ وجلّ ذلك نبيّه محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلم .
فقال لزيد بن ثابت : اذهب إلى تينك الشجرتين المتباعدتين - يومئ إلى شجرتين بعيدتين قد أوغلتا « 2 » في المفازة ، وبعدتا عن الطريق قدر ميل - فقف بينهما وناد : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم يأمركما أن تلتصقا ، وتنضمّا ليقضي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم خلفكما حاجته ، ففعل ذلك زيد .
فقال : فوالذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلم بالحقّ نبيّا ! إنّ الشجرتين انقلعتا بأصولهما من مواضعهما وسعت كلّ واحدة منهما إلى الأخرى سعي المتحابّين كلّ واحد منهما إلى الآخر ، [ و ] التقيا بعد طول غيبة وشدّة اشتياق ، ثمّ تلاصقتا وانضمّتا انضمام متحابّين في فراش في صميم « 3 » الشتاء ، فقعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم خلفهما .
فقال أولئك المنافقون : قد استتر عنّا .
فقال بعضهم لبعض : فدوروا خلفه لننظر إليه ، فذهبوا يدورون خلفه ، فدارت الشجرتان كلّما داروا ، فمنعتاهم من النظر إلى عورته .
فقالوا : تعالوا نتحلّق حوله لتراه طائفة منّا ، فلمّا ذهبوا يتحلّقون تحلّقت الشجرتان ، فأحاطتا به كالأنبوبة « 4 » حتّى فرغ وتوضّأ وخرج من هناك ، وعاد
هامش
( 1 ) ملساء : بلا نبات . أقرب الموارد : 5 / 258 ، ( ملس ) .
( 2 ) وغل في الشيء يغل وغولا : دخل فيه وتوارى به . أقرب الموارد : 5 / 800 ، ( وغل ) .
( 3 ) صميم الحرّ والبرد : أشدّه . مجمع البحرين : 6 / 103 ، ( صمم ) .
( 4 ) أنبوب النبات : ما بين عقدتيه ، قال ابن فارس . المصباح المنير : 590 ، ( الأنبوب ) .