القبط ، فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتّى لحقهم الرعاف الدائم وسيلان دماء من أضراسهم ، فكان طعامهم وشرابهم يختلط بالدم فيأكلونه فبقوا كذلك أربعين صباحا معذّبين ، ثمّ هلكوا .
وأمّا السنين ونقص من الثمرات ، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم دعا على مضر فقال :
« اللّهمّ ! اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف » ، فابتلاهم اللّه بالقحط والجوع ، فكان الطعام يجلب إليهم من كلّ ناحية ، فإذا اشتروه وقبضوه لم يصلوا به إلى بيوتهم حتّى يتسوّس وينتن ويفسد فيذهب أموالهم ، ولا يجعل لهم في الطعام نفع حتّى أضرّ بهم الأزم والجوع الشديد العظيم ، حتّى أكلوا الكلاب الميتة ، وأحرقوا عظام الموتى فأكلوها ، وحتّى نبشوا عن قبور الموتى فأكلوهم ، وحتّى ربّما أكلت المرأة طفلها إلى أن مشى جماعة من رؤساء قريش إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فقالوا : يا محمّد ! هبك عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان والبهائم ؟ !
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أنتم بهذا معاقبون وأطفالكم وحيواناتكم [ بهذا ] غير معاقبة ، بل هي معوّضة بجميع المنافع حين يشاء ربّنا في الدنيا والآخرة ، وسوف يعوّضها اللّه تعالى عمّا أصابهم ، ثمّ عفا عن مضر ، وقال : « اللّهمّ ! افرج عنهم » فعاد إليهم الخصب والدعة والرفاهية .
فذلك قوله عزّ وجلّ فيهم يعدّد ( عليهم نعمه ) :
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
.
وقال الإمام عليه السّلام : وأمّا الطمس لأموال قوم فرعون ، فقد كان مثله آية لمحمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعليّ عليه السّلام ، وذلك أنّ شيخا كبيرا جاء بابنه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والشيخ يبكي ، ويقول : يا رسول اللّه ! ابني هذا غذوته صغيرا ، وصنته طفلا عزيزا ، وأعنته بمالي كثيرا حتّى [ إذا ] اشتدّ أزره ، وقوى ظهره ، وكثر ماله ،