فذهبن النساء وقد اختلف الناس في شعاب مكة وأوديتها والناس ينظرون إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله ؛ فناس منهم وقفوا على السطوح والسرادقات والنور يخرج من بين ثناياه ومن فيه ومن بين عينيه ومن تحت ثيابه .
فلما وصلوا إلى دار خديجة ، دخل النبي صلّى اللّه عليه وآله هو وأعمامه وأغلقوا الباب ، وجلس النبي صلّى اللّه عليه وآله في قبّة لها وقد تردّى برداء السناء وقد ألبسه اللّه تعالى حلية الأولياء ، وجلس على السرير ونوره قد علا على ما في بيت خديجة من الشموع والمصابيح .
فذهلن النساء ممّا رأين من حسنه وجماله ، حتى إن كل واحدة منهنّ حسدت خديجة وتمنّت أن تكون له زوجة واحتقرن بعولتهنّ لما رأين النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وكان تزويج النبي صلّى اللّه عليه وآله بخديجة وهي بنت أربعين سنة .
فلما دخل النبي صلّى اللّه عليه وآله بها ، ردّها اللّه عز وجل في حال الشباب ، كما ردّ اللّه زليخا ليوسف ، وكما ردّ اللّه لإبراهيم سارة في الشباب بعد الكبر ، وكما ردّ لزكريا زوجته حتى حملت بيحيى وغيرهم ممّن ردّ عليه من الأنبياء زوجاتهم عليهم السّلام ، وردّ اللّه خديجة في أصغر سنّ كرامة للنبي محمد صلّى اللّه عليه وآله .
قال صاحب الحديث : وهيّئت خديجة للجلاء ؛ فخرجت في الجارة الأولى ، عليها ثياب معمّدة بالذهب الأحمر ، وعلى رأسها تاج من الذهب الوهّاج ، منقوش بالفيروزج ، وعليها قلائد من الزمرد والياقوت .
فلما برزت ، ضربن الدفوف القنيات وأنشأ بعض الجوار يرتجز بالأشعار وتذكّر اتصال النبي صلّى اللّه عليه وآله بخديجة وتقول شعرا :
أضحى الفخار لنا وعزّ شامخ * ولقد سمونا في بني عدنان
نلت العلى فيه وتعلو في الورى * وتقاصرت عن مجدك الثقلان
ولقد حبيت بسيد ما مثله * ولد النسا في سائر الأزمان
فله المكارم والمعالي والحبا * ما ناحت الأطيار في الأغصان
فتطاولي فيه خديجة واعلمي * إن قد خصصت بصفوة الرحمن
صلّوا عليه وسلّموا أو ترحّموا * وتكرّموا يا معشر الإخوان