فمسألة إحداث الدار نوع بلاء لها ؛ أصيبت به لتزداد كمالا وقربا من اللّه ولتشرق بذلك على الأمة وتكون أسوتها ، ولم نسمع يوما أن نبيا أو إماما يشكو الابتلاء الإلهي ؛ وكذلك الزهراء عليها السّلام ، لا يليق بمقامها أن تذكر مأساتها لأنها تجد كمالها الأكمل فيه .
نعم ، يذكر بعض المعصومين من الأنبياء والأئمة عليهم السّلام بعض مأساتهم إذا كانت تصبّ في مصلحة الرسالة ، كما هو الحال في معركة الطفّ أو ذكر الزهراء عليها السّلام فدك ؛ فعدم ذكرها لمأساتها دليل على تجرّدها عن الدنيا والمصالح الذاتية .
7 . ولو تصوّرنا أنها ذكرت ما فعل أبو بكر وعمر بها من ماسي أمام الناس أو أمام نساء الأنصار في خطبة مرضها ، ومن ثمّ تفاعل الناس معها ، لقيل أن الزهراء عليها السّلام استدرت عواطف المسلمين من خلال عرضها لتفاصيل الحدث ولصار موقفها بطوليّا وليس حضاريّا .
ولانتهى مع مرور الزمن ، لأن العواطف أمر متغيّر غير ثابت ، بينما الموقف الحضاري يتصل بوعي وعقل الإنسان فيظلّ أبدا ، حتى مع تغيّر العواطف ، إلا أن الزهراء عليها السّلام أذكى من ذلك ؛ كيف وهي أم أبيها وأم الواقف المشهودة . فلذلك لم تتعرّض لشيء من أحداث الدار لئلا يحسب الموقف يوما أنه كان موقفا بطوليا يضمحلّ مع الزمن ، كمواقف خالد بن الوليد وطارق بن زياد وغيرهم .
8 . ويقوّي القول أنها ما كانت بحاجة إلى ذكر مأساتها لأنها اشتهرت بشكل واسع جدا ، وذلك لأمور :
أ . إن بيت فاطمة عليها السّلام بجوار أو قرب بيوت نساء النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وأيّ حدث يجري هناك ؟
لا شك أنه يجذب انظار المسلمين إليه .
ب . إن بيت فاطمة عليها السّلام أشهر وأهمّ بكثير من بقية البيوت ، لأنه بيت الوحي الذي لم يزل بابه مطلّ على المسجد الذي كان يمرّ به النبي صلّى اللّه عليه وآله كل صباح ، وقال عنه أنه أفضل بيوت الأنبياء ، وهذا الأمر يجعل المسلمون يهتمّون به كثيرا دون غيره .
الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 163
مساهمون: اسماعيل الأنصاري الزنجاني الخوئيني
ص١٦٣