وذلك أن الخبر الذي رواه أبو بكر هو أن قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول : « ما من عبد يذنب ذنبا ، فيندم عليه ويخرج إلى صحراء فلاة فيصلّي ركعتين ثم يعترف به ويستغفر اللّه عز وجل فيه إلا غفر اللّه له » . وهذا شيء قد نطق به القرآن ؛ قال اللّه تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ »
« 1 » ، وقال :
« إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ »
. « 2 »
وإذا كان الأمر على ما وصفناه ، بطل ما تعلّقت به وكان ذكره لأبي بكر خاصة ، لأنه يحدّثه بحديث غير هذا ، فصدّقه لما ذكرناه وأخبر عن تصديقه بما وصفناه ، ولم يكن ذلك لتعديله على ما ظننت ولا لتصويبه في الأحكام كلها على ما قدّمت بما شرحناه .
فقال عند سماع هذا الكلام : أنا لم أعتمد في عدالة أبي بكر وصحة حكمه على الخبر وإنما جعلته توطئة للاعتماد ، فطوّلت الكلام فيه وأطنبت في معناه ، والذي أعتمده في هذا الباب أني وجدت أمير المؤمنين عليه السّلام قد بايع أبا بكر وأخذ عطاءه وصلّى خلفه ولم ينكر عليه بيد ولا لسان ، فلو كان أبو بكر ظالما لفاطمة عليها السّلام ، لما جاز أن يرضي به أمير المؤمنين عليه السّلام إماما ينتهي في طاعته إلى ما وصفت .
فقلت له : هذا انتقال ثان بعد انتقال أول وتدارك فائت وتلافي فارط وتذكر ما كان منسيا ، وإن عملنا على هذه المجازفة انقطع المجلس بنشر المسائل والتنقل فيها والتحيّر ، وخرج الأمر عن حده وصار مجلس مذاكرة دون تحقيق جدل ومناظرة ، وأنت لا تزال تعذّر في كل دفعة عندما يظهر من وهن متعمداتك بأنك لم تردّها ، ولكنك وطأت بها . فخبّرني الآن هل هذا الذي ذكرته آخرا هو توطئة أو عماد ؟ فإن كان توطئة عدلنا عن الكلام فيه وسألناك عن المعتمد ، وإن كان أصلا كلّمناك عليه .
مع أني لست أفهم منك معنى التوطئة ، لأن كل كلام اعتلّ به معتلّ ففسد فقد انهدم ما بناه عليه ووضح فساد ما بيّنه إن بناه عليه ، فاعتذارك في فساد ما تقدم بأنه توطئة لا معنى له .
هامش
( 1 ) . سورة الشورى : الآية 25 .
( 2 ) . سورة البقرة : الآية 222 .