مشية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مشيتها ، حتى انتهت إلى أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار .
فنيطت دونها ودون الناس ملاءة فجلست . ثم أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء ، فارتجّ المجلس . فأمسكت حتى سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم . ثم افتتحت الكلام بالحمد للّه والثناء عليه بما هو أهله ، والصلاة على نبيه محمد صلّى اللّه عليه وآله ، فعلت أصوات الناس بالبكاء عند ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . فأمسكت حتى سكنوا ، ثم قالت :
أيها الناس ! اعلموا أني فاطمة وأبي محمد ؛ أقول عودا وبدا ، ولا أقول ما أقول غلطا ، ولا أفعل ما أفعل شططا ؛ بسم اللّه الرحمن الرحيم ،
« لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ »
. « 1 » فإن تعزّوه تجدوه أبي دون نساءكم ، وأخا ابن عمي دون رجالكم .
قد بلغ النذارة صادعا بالرسالة ، سائلا عن مدرجة المشركين ، حائدا عن سنتهم ، ضاربا ثبجهم ، وآخذا بأكظامهم ؛ يجذّ الهام ويكبّ الأصنام ، حتى انهزم الجمع وولّوا الدبر ، وأوضح الليل عن صبحه ، وأسفر الحق عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق الشياطين ، وفهتم بكلمة الإخلاص ،
« وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ »
« 2 » فأنقذكم .
مذقة الشارب ، ونهزة الطامع ، وقبسة العجلان ، وموطأ الأقدام ؛ تشربون الطرق ، وتقتاتون القدّ ، أذلة خاشعين ؛ تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم اللّه برسوله صلّى اللّه عليه وآله بعد اللتيا والتي ، وبعد أن مني ببهم الرجال ، وذؤبان العرب ، وبعد لفيف من ذوائب العرب ؛ كلما أحشوا نارا للحرب أو نجم قرن للضلالة أو فغرت فاغرة للمشركين فاها ، قذف أخاه عليا عليه السّلام في لهواتها ، فلا ينكفئ حتى يطأ سماكها بأخمصه ، ويخمد حرّ لهبها بحده ؛ مكدودا في ذات اللّه ، مجتهدا في أمر اللّه ، قريبا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، سيدا في أولياء اللّه ، مشمّرا ناصحا ، وأنتم في رفاهية وادعون آمنون .
هامش
( 1 ) . سورة التوبة : الآية 128 .
( 2 ) . سورة آل عمران : الآية 103 .