ويرد عليه ثانيا : إن دعواه الإجماع على أن يحيى قتل قبل أبيه باطلة ، لأنها من قبيل دعوى الإجماع على خلاف ما أنزل اللّه تعالى ؛ قال سبحانه :
« إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي »
. « 1 » فإنه يستلزم بمقتضى استجابة دعاء زكريا أن يكون يحيى قد بقي بعد أبيه ، لأن الوراثة تستدعي بقاء الوارث بعد الموروث .
وثالثا : إنه لا بد من حمل الآية على ميراث المال لا النبوة لأمور :
الأول : إن يحيى كان نبيا في حياة أبيه وهو صبي ، فلا معنى لأن يكون وارثا للنبوة من أبيه ، مع أن النبوة لا تحصل بالميراث إلا بالتجوّز ، وهو خلاف الظاهر .
الثاني : إن الموالي كانوا شرار بني إسرائيل كما في الكشّاف وغيره ، فلا يجوز أن يرثوا النبوة حتى يخافهم من ورائه ويدعو أن يهب اللّه له وارثا غيرهم . ولو فرض إمكان نبوتهم فلا وجه لخوفه من إرثهم للنبوة إلا البخل بنعمة اللّه على الغير وهو كما ترى ، بل ينبغي سروره بذلك لخروجهم من الضلال إلى الهدى . ودعوى أنه ما خاف أن يرثوا النبوة بل خاف أن يضيّعوا الدين ويغيّروه فدعا ربه أن يهب له ولدا حافظا للدين مانعا لهم عن الفساد ، ممنوعة لبعدها عن سوق الآيات وخصوصيات الكلام التي منها أنه طلب وليا وهو لا خصوصية له في تحصيل هذا الغرض ، وطلب أن يكون رضيّا من دون قيد التمكّن من دفعهم عن الفساد .
الثالث : إنه لو كان المراد ولدا وارثا للنبوة لكان دعاؤه أن يجعله رضيا فضولا ، إذ لا تكون النبوة إلا لرضي ، والحال أن ظاهره التقييد كما يشهد له ما حكاه السيوطي في الدرّ المنثور عن ابن أبي حاتم أنه أخرج عن محمد بن كعب ، قال : قال داود : يا رب هب لي ابنا ، فولد له ابن خرج عليه . فبعث له داود جيشا ، إلى أن قال : رب إني سألت أن تهب لي ابنا فخرج عليّ ! ؟ قال : إنك لم تستثن . قال محمد بن كعب : لم يقل كما قال زكريا :
« وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا »
. « 2 »
هامش
( 1 ) . سورة مريم : الآية 6 .
( 2 ) . سورة مريم : الآيات 3 - 6 .