وبهذا تسقط شبهة من قدح في شهادة الحسنين عليهما السلام بالصبا ، لأن ذلك لو كان مانعا من قبول شهادتهما لكان علي عليه السلام به أعلم من أبي بكر ، وكان لا يعرضهما للشهادة ، وكان ردّ شهادتهما لذلك أولى من ردّها بالنبوّة . ولما لم يقل ذلك أبو بكر دلّ على أنهما معتدان بشهادتهما .
ومنها : قبوله دعوى جابر في الحثيات وعائشة وحفصة من ثياب النبي صلّى اللّه عليه وآله وإقرارهما في ثبوته بغير بينة ، مع تميّز المردود دعواه وشهادته في الفضل وتبريزه عليهم في العدالة والزهد واختصاصهم من النبي صلّى اللّه عليه وآله بمنزلة لم يشاركهم فيها أحد ، وذلك يوضح عن قصده أهل هذا البيت بالظلم وإرادة الوضع منهم والتصغير من قدرهم . . . بأدنى تأمل .
ومنها : - حين طالبت بفدك من جهة الإرث إذ دفعها عنها بالنحلة - كذبه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنه قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه صدقة ، ليتمّ له منع فاطمة عليها السلام لفدك من جهة الإرث كالنحلة ؛ والدلالة على كذبه من وجوه :
منها : تصريح القرآن بخلافه في قوله تعالى :
« وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ »
« 1 » ، وقوله تعالى :
« يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ »
« 2 » ، وإطلاق الإرث مختص بانتقال الأعيان إلى الوارث فيما يصح نقله ، ورفع الحظر ، وصحة تصرفه فيما لا يصح نقله من الحرث والرباع . فيجب عليه دون ما يدعى من علم وغيره ، ولأن العلم والنبوة لا يورثان ، لوقوف النبوة على ما يعلم اللّه سبحانه من صلاح الخلق ، ويفعله من تصديق النبي صلّى اللّه عليه وآله لبيان ذلك والعلم على اكتساب العالم له ، ولأن الظاهر من سليمان يتناول جميع الأشياء ، من قوله :
« وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ »
« 3 » عقيب قوله :
« وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ »
. « 4 » فلا وجه لتخصيصه بشيء من شيء ، واشتراط ذكره له كون الوارث مرضيا يمنع من تخصيص الميراث في الآية بالنبوة ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وآله لا يكون إلا مرضيا ، وخوفه من بني العم أيضا يمنع من النبوة والعلم ، لأن النبوة موقوفة على المصالح والغرض في العلم بذله ، فلا وجه لخوفه إلا تعلقه بالمال .
هامش
( 1 ) . سورة النمل : الآية 16 .
( 2 ) . سورة مريم : الآية 6 .
( 3 ) . سورة النمل الآية 16 .
( 4 ) . سورة النمل : الآية 16 .