على شيء ؛ ومن وقف على خطبتها في ذلك اليوم عرف ما كان بينها وبين القوم ، حيث أقامت على إرثها آيات محكمات حججا لا تردّ ولا تكابر .
فكان مما أدلّت به يومئذ أن قالت : أعلى عمد تركتم كتاب اللّه ونبذتموه وراء ظهوركم ؟ إذ يقول :
« وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ »
« 1 » ، وقال فيما أقتصّ من خبر زكريا :
« فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا »
« 2 » ، وقال :
« وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ »
« 3 » ، وقال :
« يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ »
« 4 » ، وقال :
« كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ »
. « 5 »
ثم قالت : أخصّكم اللّه بآية أخرج بها أبي ، أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي ، أم تقولون : أهل ملّتين لا يتوارثان ؟ ! . . . .
فانظر كيف احتجّت أولا على توريث الأنبياء بآيتي داود وزكريا الصريحتين بتوريثهما ، ولعمري أنها عليها السلام أعلم بمفاد القرآن ممن جاءوا متأخرين عن تنزيله .
فصرفوا الإرث هنا إلى وراثة الحكمة والنبوة دون الأموال تقديما للمجاز على الحقيقة بلا قرينة تصرّف اللفظ عن معناه الحقيقي المتبادر منه بمجرد الإطلاق ، وهذا مما لا يجوز . ولو صحّ هذا التكلّف لعارضها به أبو بكر يومئذ أو غيره ممن كان في ذلك الحشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، على أن هناك قرائن تعيّن وراثة الأموال ، كما بيّناه سابقا .
واحتجّت ثانيا على استحقاقها الإرث من أبيها صلّى اللّه عليه وآله بعموم آيات المواريث وعموم آية الوصية ، منكرة عليهم تخصيص تلك العمومات بلا مخصّص شرعي من كتاب أو سنة .
هامش
( 1 ) . سورة النمل : الآية 16 .
( 2 ) . سورة مريم : الآيتين 5 ، 6 .
( 3 ) . سورة الأنفال : الآية 75 .
( 4 ) . سورة النساء : الآية 11 .
( 5 ) . سورة البقرة : الآية 180 .