فإن قيل : هذا يرجع عليكم في وراثة المال ، لأن في ذلك إضافة البخل إليه .
فالجواب : معاذ اللّه أن يستوي الأمران ، فإن المال قد يرزقه المؤمن والكافر والصالح والطالح ولا يمتنع أن يأسي على بني عمه ، إذ كانوا من أهل الفساد أن يظفروا بماله فيصرفوه فيما لا ينبغي ، بل في ذلك غاية الحكمة ، فإن تقوية أهل الفساد وإعانتهم على أفعالهم المذمومة محظورة في الدين والعقل ؛ فمن عدّ ذلك بخلا فهو غير منصف .
وقوله :
« خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي »
، يفهم منه أن خوفه إنما كان من أخلاقهم وأفعالهم ، والمراد
« خِفْتُ الْمَوالِيَ »
أن يرثوا بعدي أموالي فينفقوها في معاصيك ؛ فهب لي يا رب ولدا رضيا لينفقها فيما يرضيك .
وبالجملة ، لا بد من حمل الإرث في هذه الآية على إرث المال دون النبوة وشبهها ، حملا للفظ
« يَرِثُنِي »
من معناه الحقيقي المتبادر منه إلى الأذهان ، إذ لا قرينة هنا على النبوة ونحوها ، بل القرائن في نفس الآية متوفّرة على إرادة المعنى الحقيقي دون المجاز ؛ وهذا رأي العترة الطاهرة عليهم السلام في الآية ، وهم أعدال الكتاب لا يفترقان أبدا .
وقد علم الناس ما كان بين الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام وبين أبي بكر ، إذ أرسلت إليه تسأله ميراثها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فقال أبو بكر : إن رسول اللّه قال : لا نورّث ، ما تركناه صدقة . قالت عائشة : فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منه شيئا واستأثر لبيت المال بكل ما تركه النبي من بلغة العيش ، لا يبقي ولا يذر شيئا . فوجدت فاطمة عليها السلام على أبي بكر فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت ؛ وعاشت بعد النبي ستة أشهر . فلما توفّيت ، دفنها زوجها علي عليه السلام ليلا بوصية منها ، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلّى عليها . . . .
نعم ، غضبت على أثارة واستقلّت غضبا . فلاثت خمارها واشتملت بجلبابها وأقبلت في لمّة من حفدتها . . . .
تعظ القوم في أتمّ خطاب * حكت المصطفى به وحكاها
فخشعت الأبصار وبخعت النفوس ، ولولا السياسة ضاربة يومئذ بجرانها لردّت شوارد الأهواء وقادت حرون الشهوات ، ولكنها السياسة ! توغّل في غاياتها لا تلوي