إن قالوا : فلعله علم صدق جابر . قلنا : ومن أين له ذلك ؟ مع أن البخاري وغيره رووا أنه لا ينبغي للحاكم الحكم بعلمه لموضع التهمة .
إن قيل : فمذهبكم إن الحاكم يحكم بعلمه . قلنا : فيدخل في قسم قوله تعالى :
« أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ »
. « 1 »
إن قيل : قولكم ولا نورّث ما تركناه صدقة - بالنصب - بل ميراثا ، لم يتأوّله أحد . قلنا :
أوّله أصحابنا ، فلا إجماع في غيره .
إن قيل : لو كان هذا التأويل صحيحا لم يكن لتخصيص الأنبياء بالذكر مزيّة ، إذ غيرهم كذلك . قلنا : يجوز أن يريد إنما ننوي فيه الصدقة ونفرده ، وإن لم نخرجه من أيدينا لا يناله وارثنا وهذه مزية ، مع أنه يجوز ترجيح الخاص بالذكر ك
« فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ »
« 2 » ، وما يدريك أن يكون النبي صلّى اللّه عليه وآله علم من حاله إنكار ميراثه ، فأفرده بالذكر لهذه المزيّة .
إن قيل : إنما رويت « صدقة » بالرفع ، وهو ينفي ذلك . قلنا : إن أهل الرواية ما يجري في هذا المجرى ، أو لعلهم نسوا واشتبه عليهم فرفعوها على ظنهم .
قالوا : لم تنكر الأمة عليه ، فهو دليل على صوابه . قلنا : قد سلف ذلك ولم تنكر الأمة عليها ، فهو دليل خطائه .
إن قيل : اكتفوا بإنكار أبي بكر عليها . قلنا : إنها قامت على دعواها وعلى غصبها ؛ ثم إن كان إنكاره كافيا لهم عن إنكارهم عليها ، فإنكارها كاف لهم عن إنكارهم عليه وقد سلف ذلك ، ولو دلّ ترك النكير على الصواب ، دلّ تركه على صواب عمر في إنكار المتعتين ، ولكان ترك النكير دليل صوابه في الجمع بين النقيضين ؛ أحدهما قوله في السقيفة : إن النبي قال : « الأئمة من قريش » ، وقوله في شكائه : إن سالما - مع كونه عتيقا لامرأة - لو كان حيا لولّاه ، ويد الخلافة لا تطاولها يد .
هامش
( 1 ) . سورة البقرة : الآية 85 .
( 2 ) . سورة الرحمن : الآية 68 .