سلكت بهم الدّنيا طريق العمى ، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى ، فتاهوا في حيرتها ، وغرقوا في نعمتها ، واتّخذوها ربّا ، فلعبت بهم ولعبوا بها ، ونسوا ما وراءها .
رويدا يسفر الظّلام ، كأن قد وردت الأظعان ؛ يوشك من أسرع أن يلحق ! واعلم يا بنيّ أنّ من كانت مطيّته اللّيل والنّهار ، فإنّه يسار به وإن كان واقفا ، ويقطع المسافة وإن كان مقيما وادعا . . .
تحدّث الإمام عليه السّلام في هذا المقطع عن الاكثار لذكر الموت والتبصّر بما بعده فإنّه يصرف الإنسان من فتن الدنيا وبوائقها ويهدي إلى الطريق المستقيم ، كما حذّر عليه السّلام من الافتتان بما يراه الإنسان من تكالب أهل الدنيا وتصارعهم على الحصول على غنائمها فإنهم الكلاب العاوية والسباع الضارية ، يأكل القوي منهم الضعيف ، ويقهر الكبير الصغير ، فهم كالأنعام بل أضلّ سبيلا . هذا بعض ما احتوت عليه هذه الكلمات ، ويأخذ الإمام في عرض وصاياه قائلا :
وأعلم يقينا أنّك لن تبلغ أملك ، ولن تعدو أجلك ، وأنّك في سبيل من كان قبلك . فخفّض في الطّلب ، وأجمل في المكتسب ، فإنّه ربّ طلب قد جرّ إلى حرب [ 1 ] ؛ فليس كلّ طالب بمرزوق ، ولا كلّ مجمل بمحروم .
وأكرم نفسك عن كلّ دنيّة وإن ساقتك إلى الرّغائب ، فإنّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا .
ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللّه حرّا . وما خير خير لا ينال
هامش
[ 1 ] الحرب : سلب المال .