ابن أخيكم كونوا له ولاة ولحزبه حماة ، فو اللّه ! لا يسلك أحد سبيل محمّد إلّا رشد ، ولا يأخذ به إلّا سعد ولو كان لنفسي مدّة ، وفي أجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز ، ولدفعت عنه الدواهي ، غير أنّي أشهد بشهادته واعظّم مقالته » [ 1 ] .
حكت هذه الوصية إيمان أبي طالب بالنبيّ صلّى اللّه عليه وآله واعتناقه للإسلام وتفانيه في الدفاع عنه .
لقد استشفّ هذا العملاق العظيم المستقبل الزاهر للإسلام ، وأنّه سيؤمن به المستضعفون في الأرض ، وأنّهم سيشكّلون قوّة ضاربة للدفاع عنه ، وستكون صناديد قريش وساداتها أذلّاء صاغرين يستعطفون النبيّ وأصحابه ، ويطلبون ودّهم ، ولم تمض الأيام حتى تحقّق ذلك على مسرح الحياة ، وإذا بجبابرة قريش أذلّاء صاغرون ، ويقول الرواة : إنّ امرأة من المسلمين خطبها معاوية فجاءت إلى النبيّ وطلبت رأيه في ذلك ، فنهاها عن الزواج به وقال لها : « إنّه صعلوك » [ 2 ] .
وعلى أي حال فإنّ وصيّة أبي طالب حافلة بالقيم الكريمة والمثل العليا والإيمان العميق بالإسلام .
في ذمّة الخلود :
ولاقى أبو طالب جهدا شاقّا وعسيرا في حمايته للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله ونصرته للإسلام ، وكفاحه للقوى المعادية لابن أخيه ، وقد تعرّض لأقسى ألوان المحن والخطوب من طغاة القرشيّين وعتاتهم ، وقد ألمّت به العلل والأمراض ودنا منه الموت ، وكان أهمّ ما يعانيه مصير الرسول صلّى اللّه عليه وآله من بعده ، وما ذا سيلاقيه من ذئاب قومه الذين تنكّروا لجميع القيم والأعراف ، فأخذ وهو على حافة الموت يوصي أبناءه وأفراد أسرته
هامش
[ 1 ] شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد 2 : 213 . الدرجات الرفيعة : 61 . أسنى المطالب :
20 . ثمرات الأوراق : 294 ، وغيرها .
[ 2 ] حياة الإمام الحسن عليه السّلام 2 : 150 .