وأسكنهم من غير كبر ، . . .
شرح
تجلّي نور الشهود في قلبه ، لأنه حينئذ يذيب النفس ويصفّيها عن غش الكبر والعجب ، فتلين وتطمئنّ للحق والخلق ؛ بمحو آثارها ، وسكون وهجها ، ونسيان حقّها ، والذهول عن النظر إلى قدرها .
ولمّا كان الحظّ الأوفر من ذلك لنبيّنا صلّى اللّه عليه وسلم كان أشدّ النّاس تواضعا . وحسبك شاهدا على ذلك أنّ اللّه خيّره بين أن يكون نبيّا ملكا ؛ أو نبيّا عبدا ؛ فاختار أن يكون نبيّا عبدا ! ! ومن ثمّ لم يأكل متّكئا بعد حتى فارق الدنيا .
وقال : « أجلس كما يجلس العبد ، وآكل كما يأكل العبد » ، ولم يقل لشيء فعله خادمه أنس « أفّ » قطّ ، وما ضرب أحدا من عبيده وإمائه ، وهذا أمر لا يتّسع له الطبع البشري ؛ لولا التأييد الإلهي ، وكذا الأخبار الآتية فكلّها دالّة على شدّة تواضعه صلّى اللّه عليه وسلم .
( وأسكنهم ) - بالنون - أي : أكثرهم سكونا ( من غير كبر ) .
قال الحافظ العراقيّ : روى أبو داود وابن ماجة ؛ من حديث البراء :
فجلس وجلسنا كأنّ على رؤوسنا الطير . ولأصحاب « السنن » ؛ من حديث أسامة بن شريك : أتيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه كأنّما على رؤوسهم الطير .
وفي « الشمائل » للترمذي : أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلّموا .
وفي « الشمائل » لأبي الحسن بن الضحاك ؛ من حديث أبي سعيد الخدري :
دائب الإطراق . وسنده ضعيف . أي : دائم السكون .
وقوله « كأنّما على رؤوسهم الطير » كناية عن كونهم عند كلامه صلّى اللّه عليه وسلم على غاية تامّة من السكوت والإطراق ، وعدم الحركة ، وعدم الالتفات ، أو عن كونه مهابين مدهوشين في هيئته ، لما أنّ كلامه عليه أبّهة الوحي وجلالة الرسالة .
وأصل ذلك : أنّ سليمان عليه السلام كان إذا أمر الطير بأن تظلّل على