تعالى :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ القلم : 4 ] .
شرح
تعالى ) مقسمان وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ( 1 ) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ( 2 ) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ( 3 ) ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ؛ لاجتماع مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال فيك .
وقالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها : ما كان أحد أحسن خلقا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته ؛ إلا قال : « لبّيك » . فلذلك أنزل اللّه تعالىوَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. رواه ابن مردويه ، وأبو نعيم بسند واه .
وكلمة « على » للاستعلاء ؛ فدلّ اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاق ، ومستول عليها ؛ بمعنى أنّه متمكّن من الجري على مقتضاها ؛ ببذل المعروف ، واحتمال الأذى ، وعدم الانتقام ، فأشبه في تمكّنه من ذلك : المستعلي على الشيء المستقرّ عليه ؛ فهو استعارة تبعيّة لجريانها في الحرف .
قال الحليمي : إنّما وصف خلقه بالعظم ؛ مع أنّ الغالب وصف الخلق بالكرم ! لأنّ كرم الخلق يراد به السماحة والدّماثة ؛ ولم يكن خلقه صلّى اللّه عليه وسلم مقصورا على ذلك ؛ بل كان رحيما بالمؤمنين ؛ رفيقا بهم ، شديدا على الكفّار ؛ غليظا عليهم ، مهيبا في صدور الأعداء ؛ منصورا بالرّعب منهم على مسيرة شهر ، فكان وصفه بالعظم أولى ؛ ليشمل الإنعام والانتقام .
وقال الجنيد : وإنّما كان خلقه صلّى اللّه عليه وسلم عظيما ! ! لأنّه لم يكن له همّة سوى اللّه تعالى ، وقد وصف اللّه تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه وسلم بكمال عظيم يرجع إلى قوّته العلمية فقالوَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً( 113 ) [ النساء ] ، ووصفه بكمال عظيم يرجع إلى قوّته العمليّة ؛ فقالوَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ،
فدلّ مجموع هاتين الآيتين على أنّ روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة ؛ كأنّها لقوّتها وشدّة كمالها من جنس أرواح الملائكة ؛ إذ أعطاهم اللّه تعالى قوّة في العمل لا تصل إليها البشر ، وفي العلم ما يصلون به إلى معرفة حقائق الأمور من اللوح المحفوظ ، أو الإلهام والعلم الضروري بمعرفة الأمور على ما هي به في