البلد وخذوا أرزاقكم ولمكّة ربّ يرعاها .
( 1 ) ثم دخلنا البلد فإذا أنا بكنج محمد آغا جالسا على تخت قريب من الباب فسلّمت عليه فقام في وجهي ، فقلت له : يكفيك فخرا انّك ذكرت باللسان ، فقال : ما الخبر ؟ فأخبرته بالقصّة ، فقال لي : يا مولاي من أين لي علم بانّك زائر حتّى أرسل لك رسولا وأنا وعسكري منذ خمسة عشر يوما محاصرين في البلد لا نستطيع أن نخرج خوفا من عنزة ، ثمّ قال : فأين صارت عنزة ؟ قلت : لا علم لي سوى أنّي رأيت غبرة شديدة في كبد البرّ كأنّها غبرة الظعائن ثمّ أخرجت الساعة وإذا قد بقي من النهار ساعة ونصف ، فكان مسيرنا كلّه في ساعة وبين منازل بني طرف وكربلاء ثلاث ساعات ثمّ بتنا تلك الليلة في كربلاء .
( 2 ) فلمّا أصبحنا سألنا عن خبر عنزة فأخبر بعض الفلّاحين الذين في بساتين كربلاء قال : بينما عنزة جلوس في أنديتهم وبيوتهم إذا بفارس قد طلع عليهم على فرس مطهّم ، وبيده رمح طويل ، فصرخ فيهم بأعلى صوته يا معاشر عنزة قد جاء الموت الزّؤام عساكر الدّولة العثمانية تجبّهت عليكم بخيلها ورجلها ، وها هم على أثري مقبلون فارحلوا وما أظنّكم تنجون منهم .
فألقى اللّه عليهم الخوف والذّل حتّى أنّ الرجل يترك بعض متاع بيته استعجالا بالرحيل ، فلم تمض ساعة حتّى ارتحلوا بأجمعهم وتوجّهوا نحو البرّ ، فقلت له : صف لي الفارس فوصف لي وإذا هو صاحبنا بعينه ، وهو الفارس الذي جاءنا والحمد للّه ربّ العالمين ، والصلاة على محمد وآله الطاهرين حرّره الأقلّ ميرزا صالح الحسيني .
( 3 ) قلت ( المجلسي ) : وهذه الحكاية سمعتها شفاها منه أعلى اللّه مقامه ، ولم يكن هذه الكرامات منه ببعيدة ، فانّه ورث العلم والعمل من عمّه الأجلّ الأكمل السيد باقر القزويني خاصّة السيد الأعظم ، والطود الأشم ، بحر العلوم أعلى اللّه تعالى درجتهم ، وكان عمّه أدّبه وربّاه وأطلعه على الخفايا والأسرار ، حتّى بلغ مقاما لا يحوم حوله الأفكار ، وحاز من الفضائل والخصائص ما لم يجتمع في غيره من العلماء الأبرار .
منها انّه بعد ما هاجر إلى الحلّة واستقرّ فيها وشرع في هداية الناس وإيضاح الحقّ وابطال
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع ) — صفحة 799
مساهمون: الشيخ عباس القمي
ص٧٩٩