فقال : بتسليمك الامر لهذا الطاغية .
قال : واللّه ما سلّمت الأمر إليه الّا انّي لم أجد أنصارا ، ولو وجدت أنصارا لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم اللّه بيني وبينه ولكنّي عرفت أهل الكوفة وبلوتهم ولا يصلح لي منهم من كان فاسدا انّهم لا وفاء لهم ولا ذمّة في قول ولا فعل ، انّهم لمختلفون ويقولون لنا : انّ قلوبهم معنا وانّ سيوفهم لمشهورة علينا .
( 1 ) فكان عليه السّلام يتكلم إذ تنخع الدّم فدعا بطست فحمل من بين يديه ملئ ما خرج من جوفه من الدم ، فقال الرجل : ما هذا يا ابن رسول اللّه انّي لأراك وجعا ؟
قال : أجل ، دسّ إليّ هذا الطاغية من سقاني سما فقد وقع على كبدي وهو يخرج قطعا كما ترى ، قال : أفلا تتداوى ؟ قال عليه السّلام : قد سقاني مرّتين وهذه الثالثة لا أجد لها دواء « 1 » .
( 2 ) وروى صاحب كفاية الأثر بسند معتبر عن جنادة بن أبي أمية انّه قال :
دخلت على الحسن بن عليّ عليه السّلام في مرضه الذي توفي فيه وبين يديه طست يقذف عليه الدم ويخرج كبده قطعة قطعة من السمّ الذي أسقاه معاوية ( لعنه اللّه ) .
فقلت : يا مولاي ما لك لا تعالج نفسك ؟ فقال : يا عبد اللّه بما ذا أعالج الموت ؟
قلت : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، ثم التفت إليّ ، فقال :
واللّه لقد عهد إلينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله انّ هذا الأمر يملكه اثنا عشر اماما من ولد علي وفاطمة ما منّا الّا مسموم أو مقتول ، ثم رفعت الطشت واتكى صلوات اللّه عليه .
قال : فقلت له : عظني يا ابن رسول اللّه ، قال : نعم ، استعد لسفرك ، وحصّل زادك قبل حلول أجلك ، واعلم انّك تطلب الدنيا والموت يطلبك ، ولا تحمل همّ يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه ، واعلم انّك لا تكسب من المال شيئا فوق قوتك الّا كنت فيه خازنا لغيرك .
( 3 ) واعلم انّ في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ، وفي الشبهات عتاب ، فأنزل الدنيا بمنزلة
هامش
( 1 ) الاحتجاج ، ج 2 ، ص 12