لا يُوصَلُ إِليهِ إِلَّا بِإِذنٍ ، وَهُما سُراجاهُ أَيضاً .
وَحِصنُ الجَسَدِ وَحِرزَهُ الأُذُنانِ ، لا يُدخِلانِ عَلى المَلِكِ إِلَّا ما يُوافِقُهُ ؛ لِأَنَّهُما لا يَقدِرانِ أَن يُدخِلا شَيئاً حَتَّى يُوحي المَلِكُ إِلَيهِما « 1 » ، أَطرَقَ المَلِكُ مُنصِتاً لَهُما حَتَّى يَعي مِنهُما ، ثُمَّ يُجيبُ بِما يُريدُ ، نادّاً منه ريحَ الفُؤادِ وَبُخارَ المَعِدَةِ ، وَمَعونَةُ الشَّفَتَينِ .
وَلَيسَ لِلشَّفَتَينِ قُوَّةٌ إِلَّا بِإِنشاءِ اللِّسانِ ، وَلَيسَ يَستَغني بَعضُها عَن بَعضٍ ، وَالكلام لا يُحسَنُ إِلَّا بِتَرجيعِهِ فِي الأَنفِ ؛ لِأَنَّ الأَنفَ يُزيِّنُ الكَلامَ كَما يُزيِّنُ النَّافِخُ المِزمارَ « 2 » ، وَكَذلِكَ
هامش
( 1 ) . وحي الملك كناية عن إرادة السّماع وتوجّه النّفس إليه . وإنصاته عبارة عن توجّه النّفس إلى إدراكه وعدم اشتغاله بشيءٍ آخر ليدرك المعاني بالألفاظ الّتي تؤدّيها السّامعة . وريح الفؤاد هي الهواء الّتي يخرج من القلب إلى الرّئة والقصبة . وبخار المعدة تصل إلى تجاويف الرّئة أو إلى الفم فيعين الكلام ، أو المراد ببخار المعدة الرّوح الّذي يجري من الكبد - بعد وصول الغذاء من المعدة إليه - إلى آلات النّفس .
( 2 ) . أي : كما يزيّن النّافخ في المزمار صوته بترديد صوته في الأنف ، وقيل : أي كما يزيّن النّافخ في المزمار صوت المزمار بثقبة تكون خلف المزمار تكون مفتوحةً دائماً ، وذلك لأنّ الهواء يخرج بالعنف من قصبة الرّئة في حال التنفّس ، فإذا وصل إلى الحنجرة حدثت فيه تقطيعات مختلفة لإصاغة الحروف ، فإذا كثرت الأهوية وازدحمت ولم يخرج بعضها من المنخرين أشكل تقطيع الحروف ولم يتزيّن الصّوت ، كما أنّ الثّقبة الّتي خلف المزمار منفتحة دائماً لئلّا تزدحم الأهوية المتموّجة فيها فلا يحسن صوته ، وأيضاً يعين الهواء الخارج من المنخرين على بعض الحروف وصفات بعضها كالنّون وأشباهه ، وكلّ ذلك يشاهد فيمن سدّ الزّكام أنفه .
وأمّا أنّ أصل الحزن في الطّحال ؛ لأنّه مفرغة للسوداء البارد اليابس الغليظ ، وهي مضادّة للرّوح في صفاتها ، وفرح الرّوح وانبساطه إنّما هو من صفاء الدّم وخلوصه من الكدورات ، فإذا امتزج الدّم بالسّوداء غلظ وكثف وفسد ، ويفسد به الرّوح ، ولذا ترى أصحاب الأمراض السّوداوية دائماً في الحزن والكدورة والخيالات الباطلة ، وعلاجهم تصفية الدّم من السّوداء .